شرح الحديث 178-180 (7- الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب
|
178 - (4) [حسن صحيح] وعن زِرٍّ عن عبد الله رضي الله عنه؛ أنّهم
قالوا: يا
رسولَ الله! كيفَ تَعرفُ مَن لَمْ تَرَ مِن أمّتك؟ قال: "غُرٌّ مُحَجَّلون بُلْقٌ (3) من آثارِ الوُضوءِ". رواه ابن ماجه وابن حبان في
"صحيحه". __________ (3) جمع أبلق، و (البَلق): سواد وبياض. |
ترجمة عبد الله بن مسعود الهذلي
أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب
الصاهلي الهذلي (المتوفى سنة 32 هـ / 653 م) فقيه الأمة وصحابي جليل ووزير ومقرئ
ومحدث من المكثرين في الحديث النبوي، وهو أحد السابقين إلى الإسلام وهو سادس من
أسلم وأحد المبشرين بالجنة، وصاحب نعلي النبي محمد وسواكه، وواحد ممن هاجروا
الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة، وممن أدركوا القبلتين، وهو أول من جهر
بقراءة القرآن في مكة وشهد جميع المشاهد مع النبي محمد. وهو الذي قتل أبو جهل وقطع
رأسه في معركة بدر وقدمه إلى النبي محمد. وقد تولى قضاء ووزارة الكوفة وبيت مالها
في خلافة عمر وصدر من خلافة عثمان.
وقال أبو نعيم و غير واحد : مات بالمدينة سنة اثنتين و ثلاثين (32 هـ) وهو ابن بضع و
ستين.
زاد بعضهم: و أوصى إلى الزبير بن العوام أن يصلى
عليه ، و قال يحيى بن بكير : مات سنة ثلاث و ثلاثين (33 هـ)
قال الحافظ في تهذيب التهذيب 6 / 28 :
قال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم : "إنك
غلام معلم." وذلك فى أول الإسلام.
وآخى النبى صلى الله عليه وآله وسلم بينه
و بين سعد بن معاذ.
و قال ابن حبان : صلى عليه الزبير .
وصح أن ابن مسعود
قال : أخذت من فى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة . اهـ .
نص الحديث:
وعن
زِرٍّ عن عبد الله رضي الله عنه؛ أنّهم قالوا:
يا
رسولَ الله! كيفَ تَعرفُ مَن لَمْ تَرَ مِن أمّتك؟ قال:
"غُرٌّ مُحَجَّلون بُلْقٌ (3) من آثارِ
الوُضوءِ".
رواه ابن ماجه وابن حبان في
"صحيحه".
وفي "حاشية السندي على سنن ابن ماجه" (1/
123):
"(وَبُلْقٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ
أَبْلَقٍ، وَهُوَ مِنَ الْفَرَسِ: ذُو سَوَادٍ وَبَيَاضٍ، وَكَأَنَّهُمْ شُبِّهُوا
بِظُهُورِ النُّورِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا بِالْخَيْلِ
الْبُلْقِ،
وَإِلَّا فَحَاشَاهُمْ مِنَ السَّوَادِ فِي ذَلِكَ
الْيَوْمِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: (مِنَ آثَارِ الْوُضُوءِ)، أَيْ: أَنْوَارِهِ
الظَّاهِرَةِ عَلَى أَعْضَائِهِ.
فِي "الزَّوَائِدِ": أَصْلُ هَذَا
الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ،
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَحَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ
أَبِي النَّجُودِ كُوفِيٌّ صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 104) (رقم:
284)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (1/ 281) (رقم: 359)، والقاسم بن
سلام في "الطُّهور" (ص: 118) (رقم: 27)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"
(1/ 15) (رقم: 40)، وفي "مسنده" (1/ 192) (رقم: 282)، وأحمد في "مسنده"
– ط. عالم الكتب (1/ 402 و 1/ 451 و 1/ 452) (رقم: 3821 و 4317 و 4329)، والبزار في
"مسنده" = "البحر الزخار" (5/ 208) (رقم: 1810)، وأبو يعلى
الموصلي في "مسنده" (8/ 462 و 9/ 203) (رقم: 5048 و 5300)، والشاشي في
"مسنده" (2/ 107) (رقم: 629_630)، وابن حبان في "صحيحه" (3/
323 و 16/ 226) (رقم: 1047 و 7242)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (3/
366) (رقم: 3419)، وأبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان
والواردين عليها" (2/ 161)، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" = و"أخبار
أصبهان" (2/ 8)، وعبد الخالق بن أسد الحنفي في "المعجم" (ص: 287)
(رقم: 263)، والعلائي في "إثارة الفوائد" (1/ 242) (رقم: 79).
والحديث حسن صحيح: صرح
بذلك الألباني _رحمه الله_ في "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"
(1/ 143) (رقم: 126)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 344 و10/
295) (رقم: 1044 و 7198)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 187) (رقم: 178)
وصححه أيضا
الأرنؤوط في "مسند أحمد" – ط. الرسالة (6/ 371) (رقم: 3820)، وأحمد شاكر
في "مسند أحمد" (4/ 47) (رقم: 3820)
وحسنه مقبل
الوادعي _رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (1/ 651)
(رقم: 846)
من فوائد الحديث:
قال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستذكار"
(1/ 194):
"وَكُلُّهَا تَدَلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا
ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ
مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال العيني _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح
صحيح البخاري" (2/ 250):
"وَفِيهِمَا:
دلَالَة على أَن الْوضُوء كَانَ مَشْرُوعا لَهُم. وعَلى هَذَا، فَيكون خَاصَّةُ
هَذِه الْأمة الْغرَّةَ والتحجيلَ الناشئين عَن الْوضُوء، لَا أصلُ الْوضُوء،
وَنقل الزَّنَاتِيُّ الْمَالِكِيُّ "شَارِحُ
الرسَالَةِ" عَن الْعلمَاء: أَن الْغرَّة والتحجيل حكم ثَابت لهَذِهِ الْأمة."
اهـ[1]
ومن فوائد الحديث:
1_ فيه: إثبات فضل أمة محمد ﷺ على سائر
الأمم، حيث يتميزون بعلامات خاصة يوم القيامة.
2_ فيه: بيان اختصاص هذه الأمة بصفة الغُرّة
والتحجيل الناتجة عن الوضوء، وهي لا توجد عند غيرهم.
3_ فيه: فضل الوضوء وآثاره العظيمة في الدنيا
والآخرة، حتى يكون سببًا لتمييز المؤمنين يوم القيامة.
4_ فيه: إشارة إلى عِظَم شأن الصلاة؛ لأن
الوضوء شرط لها، فدل على مكانة الصلاة وارتباطها بالنجاة.
5_ فيه: إثبات كرامة المؤمنين يوم القيامة؛
حيث يُعرفون بعلاماتهم المضيئة.
6_ فيه: إظهار شرف النبي ﷺ واعتنائه بأمته
حتى أنه يعرفهم ويميزهم يوم القيامة، وإن لم يرهم في الدنيا.
7_ فيه: بشارة عظيمة للمؤمنين أن النبي ﷺ
يعرفهم ويميزهم من بين الأمم، فلا يضيعون ولا يختلطون.
8_ فيه: بيان أن الأعمال الصالحة تترك آثارًا
نورانية على أصحابها تُظهر فضلهم عند الله تعالى.
9_ فيه: إشارة إلى أهمية المحافظة على
الطهارة؛ إذ هي التي تُكسب العبد ذلك النور.
10_ فيه: إثبات عناية الله بهذه الأمة
بتمييزها بخصائص لم تُعط لغيرها من الأمم.
|
179
- (5) [حسن صحيح] ورواه أحمد والطبراني بإسناد
جيد نحوه من حديث أبي أمامة. (1) __________ (1) قلت: أخرجه أحمد (5/ 261 - 262)، والطبراني (8/ 125/ 7509)
من طريق أبي عتبة الكندي عن أبي أمامة. وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛
غير الكندي فوثقه ابن حبان وحده (5/ 575)، لكنه قال: "روى عنه أهل الشام.
مات سنة (128) ". وهذه فائدة خلت منها كتب التراجم، أحببت تقييدها هنا. |
نص الحديث:
ففي "المعجم الكبير" للطبراني (8/ 106):
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهِ
الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ رُسْتَهْ، ثنا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عُتْبَةَ
الْكِنْدِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ
قَالَ:
"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُ
أُمَّتَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: مَنْ رَأَيْتَ، وَمَنْ لَمْ تَرَ؟ قَالَ:
«مَنْ رَأَيْتَ؟، وَمَنْ لَمْ أَرَ؟» . قُلْتُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ»
وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/
261):
"عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا مِنْ أُمَّتِي أَحَدٌ،
إِلاَّ وَأَنَا أَعْرِفُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)،
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ رَأَيْتَ
وَمَنْ لَمْ تَرَ؟
قَالَ: (مَنْ رَأَيْتُ وَمَنْ لَمْ أَرَ غُرًّا
مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الطُّهُورِ)."
تخريج الحديث:
أخرجه عبد الله بن المبارك في "مسنده"
(ص: 103) (رقم: 174)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 261) (رقم: 22257)،
الطبراني في "المعجم الكبير" (8/ 106) (رقم: 7509).
والحديث حسن صحيح: صرح
بذلك الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 188) (رقم: 179)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (2/ 247)
وَقَالَ بعض الشَّارِحين:
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَعَ أبي هُرَيْرَة سَبْعَة من الصَّحَابَة _رَضِي الله عَنْهُم_،
ذكرهم ابْن مَنْدَه فِي "مستخرجه":
ابْن مَسْعُود، وَجَابِر بن عبد الله، وَأَبُو سعيد
الْخُدْرِيّ، وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ، وَعبد
الله بن بسر الْمَازِني، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان _رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم_.
قلت: وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو
الدَّرْدَاء أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ ابْن لَهِيعَة."
اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (6/ 317)
قال الحافظ ابن منده _رحمهُ اللهُ_ في
"مستخرجه":
حديث "أمتي الغرّ المحجّلون من آثار
الوضوء" رواه مع أبي هريرة من الصحابة ابنُ مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو
سعيد الخدريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن بُسْر
المازنيّ، وحُذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم -. انتهى [راجع: "الإعلام
بفوائد عمدة الأحكام" للإمام ابن الملقّن _رحمهُ اللهُ_ (1/ 412)][2].
قال الجامع عفا الله عنه: فجملتهم ثمانية، ويزاد
فيهم أبو الدرداء _رضي الله عنه_، أو أبو ذرّ بالشكّ، كما أخرج الإمام أحمد حديثه
في "مسنده"، بإسناد فيه ابن لَهِيعة، والله تعالى أعلم.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (6/ 318)
في فوائده:
1 - (منها): بيان استحباب إطالة الْغُرّة
والتحجيل في الوضوء، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى.
2 - (ومنها): استحباب المحافظة على الوضوء،
وسننه المشروعة فيه، وإسباغه.
3 - (ومنها): بيان فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل
بالْغُرّة والتحجيل من آتار الزيادة على الواجب، فكيف الظنّ بالواجب، وقد وردت فيه
أحاديث صحيحة صريحة، أخرجها المصنّف وغيره، وقد سبق بيانها.
4 - (ومنها): بيان ما أعدّ الله تعالى من
الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
5 - (ومنها): بيان أن الواجب في الرجلين
الغسل، لا المسح.
وقال العيني في "نخب الأفكار في تنقيح مباني
الأخبار في شرح معاني الآثار" (1/ 362_365):
"ويستفاد منه أحكام:
* الأول: المراد
بالغُرة غسل شيء من مقدم الرأس، وما تجاوز الوجه زائدا على الجزء الذي يجب غسله
لاستيعاب كمال الوجه،
وبالتحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وادعى ابن
بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق
المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة،
فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله - عليه السلام -،
وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم محجوجون بالإجماع،
واحتجاجهم بقوله _عليه السلام_:
"من زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم"
لا يصح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو
النقص عن الواجب، أو الثواب___المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة
والتحجيل، وأما حد الزيادة فغايته استيعاب العضد والساق،....
الحكم الثاني: استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه
المشروعة فيه، وإسباغه.
الثالث: فيه ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة
لأهل الوضوء يوم القيامة.
الرابع: فيه دلالة قطعية أنَّ وظيفة الرجلين
غسلهما، ولا يجزئ مسحهما، فافهم." اهـ
ومن فوائد الحديث:
هذا الحديث الجليل فيه فوائد عظيمة، منها:
1_ فيه: إثبات شرف هذه الأمة: أن نبيها _صلى
الله عليه وسلم_ يعرف كلَّ واحد منهم يوم القيامة، وهذا تشريف عظيم لم ينله غيرها.
2_ فيه: سعة علم النبي _صلى الله عليه وسلم_
يوم القيامة: حيث يعرف جميع أمته، من رآهم في حياته ومن لم يرهم.
3_ فيه: بيان أثر الطهارة والوضوء: أن الوضوء
ليس مجرد عمل دنيوي للطهارة، بل له أثر نوراني يميز صاحبه يوم القيامة.
4_ الحث على المداومة على الوضوء: لأن آثاره
ستكون علامة للمؤمنين يوم القيامة يعرفون بها، فيزدادون شرفاً ورفعة.
5_ فيه: إشارة إلى فضل الأمة المحمدية على
غيرها: لأن هذه العلامة (الغرة والتحجيل) خاصة بهم، وهي منقبة عظيمة.
6_ فيه: إظهار عناية النبي _صلى الله عليه
وسلم_ بأمته: إذ هو يعرفهم فرداً فرداً، مما يدل على شدة رحمته وحرصه عليهم.
7_ فيه: إثبات أن الأعمال الصالحة تظهر يوم
القيامة بصور حسية: فالوضوء في الدنيا يُثمر نوراً في الآخرة.
8_ فيه: أن الوضوء شعار الإيمان: فالمداوم
عليه يكون متميزاً عن غيره يوم القيامة.
9_ فيه: إشارة إلى بقاء أثر العبادة: فالوضوء
في الدنيا ليس عملاً يزول أثره، بل يبقى أثره حتى في الآخرة.
10_ فيه: الحث على العناية بالطهارة الظاهرة
والباطنة: فالطهارة الظاهرة بالوضوء، والباطنة بالإخلاص والنية الصالحة، كلاهما
سبب للقبول والنجاة.
|
180
- (6) [صحيح لغيره] وعن أبي الدرداء _رضي الله
عنه_، قال: قال
رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "أنا أوّلُ من يُؤْذَنُ له بالسجودِ يومَ القِيامة، وأَنا
أولُ من يرفع رأسَه؛ فَأنْظُرُ بين يَدَيَّ، فَأعرفُ أمتي مِن بَينِ الأمم، ومن
خَلْفي مِثلُ ذلك، وعن يميني مِثلُ ذلك، وعن شِمالي مِثلُ ذلك". فقال
رجل: كيف تَعرف أمتَك يا رسولَ الله من بين الأمم، فيما بين نوحٍ إلى أمّتك؟
قال: "همْ غُرٌّ مُحجّلون، مِن أثَرِ الوُضوء، ليس لأحد ذلك
غيرِهم، وأعرفُهم أنهم يؤتون كُتُبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذُرِّيَّتُهُم"
(2). رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة. وهو حديث
حسن في المتابعات (3). __________ (2) كذا قال ابن لَهيعة في هذه الرواية، وهي مِن تخاليطه. والصحيح عنه بلفظ: "وأعرفهم بنورهم يسعى بين
أيديهم وبأيمانهم". رواه ابن المبارك ويحيى بن إسحاق كما يأتي مني. (3) قلت: هو كذلك إلا فيما رواه العبادلة عنه، فحديثهم عنه صحيح،
وقد
رواه عنه جماعة عند الإمام أحمد (5/ 199) منهم شيخه
حسن، والسياق له، ومنهم يحيى بن إسحاق، ولم يسق
إلا الطرف الأخير منه الذي علقته آنفاً، وعبد الله بن
المبارك، ولم يسق لفظه، وقد
ساقه نعيم بن حماد في "زوائد الزهد" (112/ 376)، وفيه ما علّقته،
وقتيبة بن سعيد، وحديثه عنه صحيح أيضاً كما حققه الذهبي، وفيه
أيضاً الجملة المعلقة. وقد تابع ابنَ لهيعة عليها الليثُ بن سعد عند الحاكم (2/
478) وصححه، وبيّض له الذهبي. |
ففي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/
199) (رقم: 21740):
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا
ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ،
وَأَبِي الدَّرْدَاءِ:
"أَنَّ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
(إِنِّي لأَعْرِفُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ)،
قَالُوا: "يَا
نَبِيَّ اللهِ ، وَكَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ؟"
قَالَ: (أَعْرِفُهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ
بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ
السُّجُودِ، وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمْ يَسْعَى
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)[3]."
وفي "الزهد" لنعيم بن حماد (2/ 112):
أنا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ
بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ،
وَأَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"(أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي
السُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِرَفْعِ رَأْسِهِ،
فَأَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ،
وَأَنْظُرُ عَنْ شِمَالِي، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَأَنْظُرُ
مِنْ خَلْفِي، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنَ الْأُمَمِ)،
فَقَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ
تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ، مَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟"
قَالَ:
(غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْأُمَمِ أَحَدٌ
غَيْرُهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ،
وَأَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ،
وَأَعْرِفُهُمْ بِنُورِهِمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَبِأَيْمَانِهِمْ)."
تخريج الحديث:
أخرجه عبد الله بن المبارك في "مسنده"
(ص: 64) (رقم: 103)، أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 199) (رقم: 21737
و 21740)، ونعيم بن حماد في "الزهد" (2/ 112)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم
قدر الصلاة" (1/ 269) (رقم: 261)، والطبراني في "المعجم الأوسط"
(3/ 304) (رقم: 3234)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 520)
(رقم: 3784)، شعب الإيمان (4/ 262) (رقم: 2490)،
من فوائد الحديث:
وقال للطيبي _رحمه الله_ في "شرح المشكاة"
= "الكاشف عن حقائق السنن" (3/ 755):
"وإنما خص ذكر نوح والأنبياء قبله قد
بعثوا، لشهرته أو للتغليب، كما في قوله تعالي: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [الأحزاب: 7]، الآية."
اهـ
وقال القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح" (1/ 357):
"وَإِنَّمَا خَصَّ نُوحًا مَعَ أَنَّ
الْأَنْبِيَاءَ كَآدَمَ وَشِيثٍ وَإِدْرِيسَ قَدْ بُعِثُوا قَبْلَهُ لِشُهْرَتِهِ
أَوْ لِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ." اهـ
وقال عبيد الله الرحمني _رحمه الله_ في "مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 19):
"هذا صريح في أن الغرة والتحجيل من
خصوصيات أمته _صلى الله عليه وسلم_." اهـ
وقال عبد الحق الدهلوي _رحمه الله_ في "لمعات
التنقيح في شرح مشكاة المصابيح" (2/ 32):
"وقوله: (وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم. . .
إلخ) الظاهر من العبارة أن هذين الوصفين أيضًا مما تتميز به هذه الأمة الكريمة من
سائر الأمم، وقال الطيبي: لم يأتِ بهما تمييزًا كالأول، بل أتى بهما مدحًا لأمته،
واللَّه أعلم.
وقال عبيد الله الرحمني _رحمه الله_ في "مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 19):
"قال الطيبي: لم يأت بالوصفين هذين
تفصلة وتميزاً كالأول، بل أتى بهما مدحاً لأمته، وابتهاجا بما أوتوا من الكرامة
والفضيلة، انتهى.
من فوائد الحديث:
هذا حديث عظيم فيه بشارات وفضائل لأمة النبي ﷺ،
ويمكن أن يُستنبط منه جملة من الفوائد، منها:
1_ إثبات شرف النبي ﷺ يوم القيامة؛ حيث هو
أول من يُؤذن له بالسجود ورفع الرأس بين يدي الله عز وجل.
2_ إظهار مكانة النبي ﷺ عند ربه؛ فهذا من
خصوصياته العظمى دون سائر الأنبياء.
3_ عِظَم شفاعة النبي ﷺ وقيادته لأمته؛ فهو
يتقدمهم ويُعرفهم بين الأمم.
4_ فضل الوضوء؛ إذ كان أثره سببًا في تمييز
هذه الأمة بالغرّة والتحجيل.
5_ اختصاص هذه الأمة بصفة الغرّة والتحجيل
التي لا تكون لغيرها من الأمم.
6_ فضل السجود وكثرة الصلاة؛ إذ كان أثر
السجود سببًا في معرفة الأمة يوم القيامة.
7_ فضل النور يوم القيامة الذي يسعى بين أيدي
المؤمنين وبأيمانهم، وهو من خصائصهم.
8_ أن المؤمنين يُؤتون كتبهم بأيمانهم، وهي
علامة نجاتهم وكرامتهم.
9_ إثبات كرامة هذه الأمة بين الأمم؛ حيث
تُعرف بسماتها الواضحة من نور، وآثار وضوء، وآثار سجود.
10_ فيه إشارة إلى أن الطاعات الظاهرة لها
أثر باقٍ في الآخرة، يظهر في هيئة ونور يميز المؤمنين.
11_ زيادة يقين الأمة وطمأنينتها بأنهم لا
يضيعون بين الأمم يوم القيامة، بل يعرفهم نبيهم ويشفع لهم.
ومن فوائده أيضا:
هذا الحديث العظيم مليء بالفوائد العقدية والتربوية
والإيمانية، ومن أبرزها:
1_ فيه: إثبات شرف النبي ﷺ وفضله يوم
القيامة: فهو أول من يُؤذن له بالسجود بين يدي الله، وأول من يرفع رأسه، وهذا
منقبة لا تكون لغيره.
2_ فيه: إثبات شفاعته العظمى: إذ إن أول
سجوده يوم القيامة يدل على بداية مقام الشفاعة.
3_ سعة علم النبي ﷺ يوم القيامة: فهو يعرف
أمته في كل الجهات، أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله.
4_ فيه: إظهار عناية النبي ﷺ بأمته: إذ يفتخر
بمعرفته لهم ويميزهم من بين جميع الأمم.
5_ فيه: خصوصية أمة محمد ﷺ بعلامة الوضوء:
الغرة والتحجيل لا تكون إلا لهم، وهي أثر نوراني يظهر يوم القيامة.
6_ فيه: الحث على المداومة على الوضوء: لأن
الوضوء شعار الإيمان وعلامة فارقة يوم القيامة.
7_ فيه: إثبات أن الأعمال الصالحة تبقى
آثارها يوم القيامة: فالوضوء في الدنيا يثمر نوراً ووسماً في الآخرة.
8_ فيه: منقبة لأمة محمد ﷺ بخصوصية أخرى: وهي
أنهم يُعرفون أيضاً بكونهم يُؤتون كتبهم بأيمانهم.
9_ فيه: إشارة إلى فضل بقاء الذرية الصالحة:
فكون ذريتهم تسعى بين أيديهم يوم القيامة علامة أخرى لتميز الأمة.
10_ فيه: تقوية الرجاء لرحمة الله في قلوب
المؤمنين: إذ يعلمون أن نبيهم ﷺ لن ينسى أمته، بل يعرفهم ويفتخر بهم.
11_ فيه: دلالة على سعة رحمة الله: حيث يكرم
هذه الأمة بخصائص ليست لغيرها من الأمم.
12_ فيه: إثبات فضل الطهارة: فالطهارة سبب
للتميز عن غيرهم يوم القيامة.
[1] قال
السيوطي _رحمه الله_ في "لب اللباب في تحرير الأنساب" (ص: 127): "الزَّنَاتِيُّ:
بالفتح إلى زنات ناحية بسرقسطة انتهى." اهـ
وقال عباس بن محمد المدني الشافعي (المتوفى: 1346 هـ)
_رحمه الله_ في "مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب اللباب من واجب الأنساب"
(ص: 25): "الزناتي: لزناتة قبيلة كان لها بر المغاربة الجنوبي." اهـ
وقال ياقوت بن عبد الله الحموي _رحمه الله_ في
"معجم البلدان" (3/ 151):
"زَنَاتَةُ
- بفتح أوّله، وبعد الألف تاء مثناة من فوق -:
ناحية بسَرَقُسْطَةَ من جزيرة الأندلس، عن الغرناطي
الأنصاري من "كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس" ينسب إليها أبو الحسن
علي بن عبد العزيز الزناتي، سمع كتاب الاستيعاب لابن عبد البر من أبي إسحاق
إبراهيم بن محمد بن ثابت القرطبي سنة 533." اهـ
[2] وقال ابن
الملقن _رحمه الله_ في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (4/ 27)
"هذا
الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في
"مستخرجه": ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة
الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان - رضي الله
عنه -." اهـ
[3] وأخرج الشطر الأخير ابن
أبي الدنيا في "الأهوال" (ص: 143) (رقم: 177).
Komentar
Posting Komentar