شرح الحديث 177 (الترغيب في الوضوء وإسباغه) من صحيح الترغيب
|
177 - (3) [صحيح] وعنه؛ أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - أتى المقبرة (1)، فقال: "السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤْمنين، وإنا إنْ شاءَ اللهُ بكم
عن قريبٍ لاحقون، وددْتُ أَنّا قد رأينا إخوانَنا". قالوا: "أوَلَسْنَا إخوانَكَ، يا رسولَ
الله؟" قال:
"أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لَم يأتوا بعدُ". قالوا: كيف تَعرِفُ من لم يأتِ بعدُ مِن
أمَّتكَ يا رسولَ الله؟ قال: "أرأَيتَ لو أنّ رجلاً له خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلة، بين
ظَهرَيْ خَيلٍ دُهْمٍ (2) بُهمٍ، ألا يَعرِفُ خَيلَه؟ ". قالوا:
بلى يا رسولَ الله! قال: "فإِنّهم يأتونَ غُرّاً مُحَجَّلِين مِن الوُضوءِ، وأنا
فرَطُهم على الحوضِ". رواه مسلم وغيره. __________ (1) (المقبرة) فيها ثلاث لغات: ضم الباء وفتحها وكسرها، والكسر
قليل. و(دار
قوم) هذا نصب على الاختصاص أو النداء المضاف، والأول أظهر. وقوله
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وإنا إنْ شاء الله بكم عن قريب
لاحقون"، أتى بالاستثناء مع أنّ الموت لا شك فيه؛ وليس للشك. وقوله:
(وددت) فيه جواز التمنّي لا سيّما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح. وقوله:
(أنتم أصحابي) ليس نفياً لإخوّتهم، ولكن ذكر مزيّتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء
إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقوله:
(بين ظهرَي) فمعناه بينهما، وهو بفتح الظاء وإسكان الهاء. (2) جمع أدهم، وهو الأسود. و
(البهم) قيل: السود أيضاً، وقيل: (البهم): الذي
لا يخالط لونه لوناً سواه، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، بل يكون لونه خالصاً.
والله أعلم. |
نص الحديث وشرحه:
ففي "صحيح مسلم" (1/ 218):
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ:
"(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ،
وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)،
وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام
مسلم بن الحجاج" (6/ 334_335) للإثيوبي:
"(وَإِنَّا
إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ)
قال الحافظ أبو عمر _رحمهُ اللهُ_:
في معناه قولان:
[أحدهما]: أن
الاستثناء مردود على معنى قوله: "دار قوم مؤمنين"،
أي: وإنا بكم لاحقون مؤمنين - إن شاء الله - يريد
في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها مؤمنٌ، ألا ترى إلى قول إبراهيم؛
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]،
وقول يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
[والوجه الثاني]: أنه
قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بُدّ من وقوعها، كالموت، والكونِ في القبر،
ولا بُدّ منه ليس على سبيل الشكّ، ولكنها لغة العرب،
ألا ترى إلى قول الله _تعالى_:
{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27]،
والشكُّ لا سبيل إلى إضافته إلى الله _عزَّ وجلَّ_،
تعالى عن ذلك علام الغيوب." انتهى ["التمهيد" 20/ 249]." اهـ
وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا."
وفي "مسند البزار" = "البحر الزخار"
(15/ 79):
عَن أَبِي هُرَيرة:
عَن النَّبِيّ _صَلَّى الله عَلَيه وَسَلَّم_:
أَنَّه أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحقون)، ثُمَّ قال: وددت أنا قد لقينا إخواننا....
قَالُوا: أَوَلَسْنَا
إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ
قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا
الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»[1]
قال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم
بفوائد مسلم" (2/ 48):
"وقوله: (ألسنا بإخوانِك؟ قال: بل أنتم
أصحابي)،
قال الباجى:
لم ينف بذلك أخوَّتَهم، ولكنه ذكر مرتبتهم الزائدة
بالصحبة واختصاصهم بها، ولم تحصُل لأولئك بعد، فوصفهم بالأخوة." اهـ
وقال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "التمهيد
لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (20/ 243_244):
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَدِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُ
إِخْوَانَنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لسنا بِإِخْوَانِكَ، قَالَ: بَلَى،
أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)،
فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ إِخْوَانَهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ أَصْحَابِهِ.
* وَأَصْحَابُهُ: الَّذِينَ
رَأَوْهُ وَصَحِبُوهُ مُؤْمِنِينَ___
* وَإِخْوَانُهُ: الَّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَلَمْ يَرَوْهُ، وَقَدْ جَاءَ مَنْصُوصًا عَنْهُ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_. وَالْإِخْوَانُ وَالْإِخْوَةُ هُنَا مَعْنَاهُمَا سَوَاءٌ."
اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض
الصالحين" (5/ 17):
"قال: (أنتم أصحابي) أخص من الإخوان.
الصاحب: أخ وزيادة. والأخ: أخ بلا مصاحبة.
قال: (أنتم أصحابي)، يعني: فأنتم أخص منهم، وهم
الصحابة إخوان للرسول _صلى الله عليه وسلم_ وأصحاب له،
أما من جاءوا بعدهم من المؤمنين، فهم إخوانه،
وليسوا أصحابه." اهـ
فَقَالُوا: كَيْفَ
تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ
فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ
خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ
خَيْلَهُ؟»
قَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللهِ
قَالَ: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ
مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى
الْحَوْضِ.
وقال أبو العباس الفيومي (المتوفى: نحو 770 هـ)
_رحمه الله_ في "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 469):
"الْفَرَطُ -
بِفَتْحَتَيْنِ -: الْمُتَقَدِّمُ فِي طَلَبِ
الْمَاءِ، يُهَيِّئُ الدِّلَاءَ وَالْأَرْشَاءَ.
يُقَالُ: (فَرَطَ الْقَوْمَ فُرُوطًا) مِنْ بَابِ (قَعَدَ)
إذَا تَقَدَّمَ لِذَلِكَ.
يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ: (رَجُلٌ
فَرَطٌ، وَقَوْمٌ فَرَطٌ)،
وَمِنْهُ: يُقَالُ لِلطِّفْلِ الْمَيِّتِ: (اللَّهُمَّ
اجْعَلْهُ فَرَطًا)، أَيْ: أَجْرًا مُتَقَدِّمًا." اهـ
أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا
يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ
قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا»."
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (20/
262_263):
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِنَا فِي هَذَا
الْبَابِ: (فَسُحْقًا)، فَمَعْنَاهُ: فَبُعْدًا.
وَالسُّحْقُ: وَالْبُعْدُ، وَالْإِسْحَاقُ:
وَالْإِبْعَادُ سَوَاءٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ النَّأْيُ وَالْبُعْدُ لَفْظَتَانِ
بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ سحقا وبُعْدًا هكذا،
إنما تجيئ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ، كَمَا يُقَالُ: (أَبْعَدَهُ
اللَّهُ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ، وَسَحَقَهُ اللَّهُ، وَمَحَقَهُ وَأَسْحَقَهُ
أَيْضًا)،
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_: {فِي
مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]، يَعْنِي بِعِيدٍ.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 218/ 39)
(رقم: 249)، سنن ابن ماجه (2/ 1439) (رقم: 4306)، موطأ مالك ت الأعظمي (2/ 38)
(رقم: 82)، الطهور للقاسم بن سلام (ص: 121) (رقم: 33)، مسند أحمد – ط. عالم الكتب
(2/ 300 و 2/ 408) (رقم: 7993 و 9292)، مسند البزار = البحر الزخار (15/ 70 و 15/
79) (رقم: 8300 و 8322)، مسند أبي يعلى الموصلي (11/ 387) (رقم: 6502)، صحيح ابن
خزيمة (1/ 6) (رقم: 6)، مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (2/ 89) (رقم: 429)،
صحيح ابن حبان (16/ 224) (رقم: 7240)، المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم
(1/ 309) (رقم: 582)، السنن الكبرى للبيهقي (1/ 133 و 4/ 131) (رقم: 388 و 7209)،
معرفة السنن والآثار (1/ 308) (رقم: 737)، البعث والنشور للبيهقي (ص: 123) (رقم: 145)،
شرح السنة للبغوي (1/ 322) (رقم: 151)، الترغيب والترهيب لقوام السنة (3/ 59)
(رقم: 2071)، والجَوْرَقَانِيّ في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير"
(1/ 175) (رقم: 40)،
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 98) (رقم: 298)،
و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 688) (رقم: 3698)، و"إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (3/ 235) (رقم: 776)، و"تحقيق مختصر
صحيح مسلم للمنذري" (1/ 43) (رقم: 129)، و"أحكام الجنائز" (1/ 190)،
التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (10/ 293) (رقم: 7196)، و"صحيح الترغيب
والترهيب" (1/ 187) (رقم: 177).
وأخرجه النسائي (1/ 93) (رقم: 150)، السنن الكبرى
(1/ 130) (رقم: 143)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (4/ 260) (رقم:
2488)، دون القطعة الأخيرة منه
"ليذادن رجال ... "
من فوائد الحديث:
1/ في الحديث: دليل على فضيلة الوضوء،
قال العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض
الصالحين" (5/ 18):
"ففي هذا:
* دليل على فضيلة الوضوء،
* وأن هذه الأمة يأتون يوم القيامة، وهم غر محجلون
من أثر الوضوء، (غُرٌّ) يعني: بيض الوجوه، (محجلون)، يعني: بِيْضَ الأرجُلِ
والأيدي.
وهذا البياض بياض نور وإضاءة، يعرفهم الناس يوم
القيامة، في هذا اليوم المشهود العظيم تُعرف أمةُ هذا النبيِّ الكريمِ _صلى الله
عليه وسلم_ بهذه السيما والعلامة التي ليست لغيرهم،
أسأل الله _تعالى_ بمنه وكرمه أن يحشرني وإياكم على
هذا الوجه، وأن يجعلَنا من أمته ظاهرا وباطنا، إنه على كل شيء قدير." اهـ
2/ فيه بيان الفرق بين الأخوة والصحبة
وقال الطحاوي _رحمه الله_ في "شرح مشكل الآثار"
(12/ 6_7):
فَتَأَمَّلْنَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ،
فَوَجَدْنَا الْأُخُوَّةَ هِيَ الْمُصَافَاةَ الَّتِي لَا غِشَّ فِيهَا، وَلَا
بَاطِنَ لَهَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا، وَمِنْهَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]،
أَيْ: لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمْ، وَمَا بَعْضُهُمْ
عَلَيْهِ لِبَعْضٍ، فَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِبَاطِنِهِ،
وَمِنْهُ قَوْلُهُ _عَزَّ وَجَلَّ_:
{اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]
ثُمَّ مِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ أُمَّتَهُ، فَقَالَ:
"لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا
تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا"
وَكَانَتِ الصُّحْبَةُ قَدْ
تَكُونُ بِظَاهِرٍ يُخَالِفُهُ الْبَاطِنُ الَّذِي مَعَ أَصْحَابِهَا،
وَالْأُخُوَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهِيَ الْخَالِيَةُ مِنْ هَذَا الَّذِي لَا
يُخَالِفُ ظَاهِرُهَا بَاطِنَهَا، وَبَاطِنُهَا ظَاهِرَهَا، وَبِاللهِ
التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ." اهـ
3/ فيه: أن أهل الدين والإيمان كلُهم إخوةٌ
فى دينهم
وقال القاضي _رحمه الله_ في "إكمال المعلم
بفوائد مسلم" (2/ 48_49):
وقال أبو عُمر:
فيه دليلٌ على أن أهل الدين والإيمان كلُهم إخوةٌ
فى دينهم، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة}، وأما الأصحاب فمن
صحِبَك وصحبتَه." اهـ
4/ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ
التَّمَنِّي، لَا سِيَّمَا فِي الْخَيْرِ
وقال النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم"
(3/ 138):
"قَالَ الْعُلَمَاءُ:
فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّمَنِّي، لَا
سِيَّمَا فِي الْخَيْرِ وَلِقَاءِ الْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ." اهـ
5/ مشروعية الدعاء للأموات عند دخول
المقبرة
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1/ 501):
"وتسليمه لبيان مشروعية ذلك. وفيه معنى
الدعاء لهم . ويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ، وعلى دوام الْحُرمة ،
ويحتمل أن يَرد الله أرواحهم فيستمعون ويردون." اهـ
6/ وفيه دلالة على أن السلام على الموتى
يُقدَّم فيه المبتدأ على الخبر، كالسلام على الأحياء
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (6/ 333)
(فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وفي
رواية أحمد: "سلام عليكم"،
وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يُقدَّم فيه
المبتدأ على الخبر، كالسلام على الأحياء، ويُقدَّم الدعاء على المدعوّ له، فإن
السلام متضمّنٌ للدعاء،
ونظيره قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ
وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} الآية [هود: 73]،
ولا ينافيه ما أخرجه أبو داود في "باب كراهية
أن يقول: عليك السلام" من "كتاب الأدب" عن
أبي جُرَيّ الْهُجَيميّ - بالتصغير فيهما - قال:
"أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،___فقلت:
(عليك السلام، يا رسول الله)، فقال: لا تقل: (عليك السلام)، فإن عليك السلام تحيّة
الموتى"؛ لأن معناه أن هذه الصيغة تختصّ بالموتى، وأما "السلام
عليكم" فمُشترك.
وأما ما قاله بعضهم من لزوم تقديم المبتدأ على
الخبر في السلام على الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن
عادة أهل الجاهليّة من تقديم الخبر على المبتدأ في تحيّة الموتى، كما قال شاعرهم
[الطويل]:
عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ...
وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
فبعيدٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يُقِرّ
أحدًا على ما يُخالف الشريعة.
فتبيّن بهذا أن السنّة في السلام على الأحياء
والأموات تقديم المبتدأ على الخبر، وأنه يجوز في تحيّة الموتى تقديم الخبر [راجع
"المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" (5/ 104)]، والله تعالى
أعلم.
7/ وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ
مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ مِنَ
الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ
وقال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "التمهيد
لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (20/ 262_263):
"وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ
مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ مِنَ
الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ الْمُبْعَدِينَ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَدُّهُمْ طَرْدًا مَنْ خَالَفَ جَمَاعَةَ
الْمُسْلِمِينَ وَفَارَقَ سَبِيلَهُمْ مِثْلُ الْخَوَارِجِ عَلَى اخْتِلَافِ
فِرَقِهَا وَالرَّوَافِضِ عَلَى تَبَايُنِ ضَلَالِهَا وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى
أَصْنَافِ أَهْوَائِهَا، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ
يُبَدِّلُونَ،
وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ
فِي الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَتَطْمِيسِ الْحَقِّ وَقَتْلِ أَهْلِهِ
وَإِذْلَالِهِمْ وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ
الْمُسْتَخِفُّونَ بِالْمَعَاصِي، وَجَمِيعُ أَهْلِ
الزَّيْغِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ يُخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا
عُنُوا بِهَذَا الْخَبَرِ،
وَلَا يُخَلَّدُ فِي___النَّارِ إِلَّا كَافِرٌ
جَاحِدٌ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَقَدْ
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ
الْأَهْوَاءِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَكَانَ يُقَالُ تَمَامُ
الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ المعاصي." اهـ
وقال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط
الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (6/ 345_350):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل
في الوضوء.
2 - (ومنها): إثبات حوض النبيّ - صلى الله
عليه وسلم -، وقد اختلف العلماء في وقت___وروده ومكانه، فقال بعضهم: الورود على
الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، واحتجّوا بما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن
أنس - رضي الله عنه -، قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَشفع
لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أوّلّ ما تطلبني على الصراط، قلت:
فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض" [حم
ت].
وقد استُشكِلَ كون الحوض بعد الصراط بما جاء في
أحاديث الباب من أن جماعةً يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدونه، ويُذهب بهم
إلى النار، ووجه الاستشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون
قد نجا من النار، فكيف يُردّ إليها؟ .
ويمكن أن يُجاب بأنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه،
ويرون النار، ويراهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فيُناديهم، فيُدفَعُون إلى
النار.
وسيأتي تحقيق المسألة، واستيفاء مباحثها بذكر
أدلّتها في موضعها المناسب لها إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: اشتهر اختصاص نبيّنا - صلى الله
عليه وسلم - بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من حديث سمرة - رضي الله عنه -، قال: قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل نبيّ حوضًا، وإنهم يَتَباهون
أيُّهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً".[2]
قال الحافظ رحمهُ اللهُ: فإن ثبت أن لكلّ نبيّ
حوضًا فالمختصّ بنبيّنا - صلى الله عليه وسلم - الكوثر، أي النهر الذي يصبّ من
مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر،
والله تعالى أعلم.
3 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمهُ اللهُ
في "المفهم" تبعًا للقاضي عياض: مما يجب على كلّ مكلّف أن يَعلمه،
ويُصدّق به أن الله عزَّ وجلَّ قد خصّ نبيّه____محمدًا - صلى الله عليه وسلم -
بالحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل
بمجموعها العلم القطعيّ؛ إذ رَوَى ذلك عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من
الصحابة - رضي الله عنهم - نيّف وثلاثون، منهم في "الصحيحين" ما يَنيف
على العشرين، وفي غيرهما بقيّة ذلك مما صحّ نقله، واشتهر رواته، ثم رواته عن
الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهَلُمّ جرًّا،
وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنّة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة[3]،
وأحالوه على ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير استحالة عقليّة، ولا عاديّة تَلْزِم
من حمله على ظاهره، وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخَرَقَ من حرّفه إجماعُ
السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف." انتهى.
4 - (ومنها): استحباب الخروج إلى المقابر،
وزيارة القبور.
وهذا أمر مجمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء،
وقد ثبت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا
تقولوا هُجْرًا، فإنها تُذَكِّر الآخرة"، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح،
والصحيح: أنه
جائز للنساء أيضًا على الوجه المشروع، وهو السلام على المقبور، والدعاء له، وتذكّر
الآخرة، ولا يَطْلُبُ منه قضاء حاجته، ولا يناديه لذلك، ولا يستغيث به،
وهذا من الْهُجْر أي الْفُحش الذي نهى عنه النبيّ -
صلى الله عليه وسلم - في الحديث المذكور، وسأستوفي البحث في هذا بذكر الأدلة
الشاملة للرجال والنساء في موضعه من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله
تعالى.
5 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمهُ اللهُ:
"في تسليمه - صلى الله عليه وسلم - على أهل
القبور بيان مشروعيّة ذلك، وفيه معنى الدعاء لهم، ويدلّ أيضًا على حُسن التعاهد،
وكرَم العهد، وعلى دوام الحرمة، ويحتمل أن يردّ الله تعالى أرواحهم، فيسمعون،
ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ رحمهُ اللهُ حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة -
رضي الله عنه - مرفوعًا: "ما من مسلم يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في
الدنيا، فيُسلّم عليه، إلا ردّ عليه السلام من قبره." انتهى ["المفهم"
(1/ 500)].
6 - (ومنها): أن فيه بِشارةً عظيمةً لهذه
الأمة - زادها الله تعالى شَرَفًا - ___حيث كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
فَرَطها على الحوض، فهنيئًا لَمن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَرَطَه،
فما أكبرَ الفوزِ العظيم.
7 - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر _رحمهُ
اللهُ_:
قد احتج به مَن ذَهَب إلى أن أرواح الموتى على
أفنية القبور، والله أعلم بما أراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بسلامه عليهم،
وقد نادى أهلَ القليب ببدر، وقال: "ما أنتم بأسمع منهم، إلا أنهم لا يستطيعون
أن يُجيبوا"،
قيل: إن هذا خصوص، وقيل: إنهم لم يكونوا مقبورين؛
لقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}،
وما أدري ما هذا؟ وقد رَوَى قتادة، عن أنس - رضي
الله عنه - في الميت حين يُقْبَر أنه يسمع خَفْقَ نِعَالهم إذا وَلَّوا عنه
مدبرين، وهذه أمور لا يُستطاع على تكييفها، وإنما فيها الاتباع والتسليم.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة
بأدلّتها في موضعها من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى.[4]
8 - (ومنها): أن فيه جواز تمنِّي الخير،
ولقاءِ الفضلاء، وأهلِ الصلاح.
9 - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ رحمهُ اللهُ:
"دلّ بإثبات الأخوّة لهؤلاء على علوّ مرتبتهم،
وأنهم حازوا فضيلة الآخريّة، كما حاز - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه فضيلة
الأوليّة، وهم الغرباء المشار إليهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ
الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء"، وهم الخلفاء الذين أفادهم
بقوله: "رَحِمَ الله خلفائي" [موضوع: طس][5]،
وهم القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: "القابض على دينه
كالقابض على الجمر" [صحيح: ت][6]،
وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر على
الفَطِن استخراجه من الأحاديث." [شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 149)]
10 - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر _رحمهُ
اللهُ_:
"هذا الحديث فيه دلالة___على أن كلَّ مَن أحدث
في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض
الْمُبْعَدِين عنه،
وأشدُّهم طردًا مَن خالف جماعةَ المسلمين، وفارق
سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فِرَقِها، والروافض على تبايُن ضلالها، والمعتزلة
على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدِّلون،
وكذلك الظّلَمَةُ المسرِفُون
في الجور والظلم، وتطميس الحقّ، وقتل أهله، وإذلالهم، والمعلنون
بالكبائر المستَخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهل
الزيغ والأهواء والبِدَع،
كلُّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا
الخبر، ولا يُخَلَّد في النار إلا كافرٌ جاحدٌ، ليس في قلبه مثقالُ حبة خردل من
إيمان، وقد قال ابن القاسم رحمهُ اللهُ: قد يكون من غير أهل الأهواء مَن هو شَرٌّ
من أهل الأهواء، وكان يقال: تمامُ الإخلاص تَجَنُّب المعاصي. انتهى ["التمهيد"
20/ 262 - 263].
11 - (ومنها): ما قاله أبو عمر رحمهُ اللهُ
أيضًا:
"وأما قوله: "فإنهم يأتون يوم القيامة
غُرًّا مُحَجَّلِين من الوضوء"، ففيه دليلٌ على أن الأمم أتباعَ الأنبياء، لا
يتوضؤون مثل وضوئنا على الوجه، فاليدين، فالرجلين؛ لأن الغرة في الوجه، والتحجيل
في اليدين والرجلين، هذا ما لا مَدْفَع فيه على هذا الحديث، إلا أن يَتَأَوَّل
مُتَأَوِّلٌ هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يُكْسِبها غُرَّةً، ولا تحجيلًا،
وأن هذه الأمة بُورك لها في وضوئها بما أُعطيت من ذلك شرفًا دائمًا، ولنبيها - صلى
الله عليه وسلم -، كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيها - صلى الله
عليه وسلم - بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء، والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون، فيَكسِبون بذلك
الغُرَّة والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء، كما خُصَّ نبيّنا - صلى الله
عليه وسلم - بأشياء دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير صداق،
والوصالُ، وغيرُ ذلك، فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة، أن تُشبِه كلُّها الأنبياءَ.
انتهى كلام أبي عمر رحمهُ اللهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن يقال: إن
الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خُصّت هي بالغرّة والتحجيل، كما هو صريح قوله
- صلى الله عليه وسلم -: "لكم سيما ليست لأحد من الأمم"، فإنه صريح في
اختصاصها بهذه السيما، مع أنه___أثبت الوضوء في الأمم السابقة، كما في قصّة سارة،
وجُريج الراهب، كما تقدّم بيان ذلك.
11 - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الرسول - صلى
الله عليه وسلم - لا يدري ما أحدثته أمته بعد موته.
[فإن قيل]: إن هذا يعارضه ما روي من قوله -
صلى الله عليه وسلم -: "حياتي خير لكم، تُحْدِثون، ويُحْدَث لكم، فإذا أنا مت
كانت وفاتي خيرًا لكم، تُعْرَض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيرًا حَمِدت الله، وإن
رأيت شرًّا استغفرت لكم" (1).
[أجيب]: بأن هذا الحديث مرسلٌ، فلا يعارض ما
في "الصحيحين"، وعلى تقدير صحّته، كما هو رأي بعضهم، يمكن أن يُجمع بأن
الأعمال تُعرض عليه عرضًا مجملًا، دون تعيين فاعلي الخير والشر، والله تعالى أعلم.
12 - (ومنها): أنه - صلى الله عليه وسلم -
يذود غير المسلمين، ويُبعدهم عن حوضه.
[فإن قيل]: كيف يطرد الناس عنه، وهو - صلى
الله عليه وسلم - أكرم الناس؟
[أجيب]: بأن هذا الذود ليس بخلًا، وإنما
القصد منه إرشاد كلّ أحد إلى حوض نبيّه، كما سبق أن لكلّ نبيّ حوضًا، وأنهم
يتباهون بكثرة من يرده من أتباعهم، فيكون ذلك الذود منه - صلى الله عليه وسلم - من
إنصافه، ورعاية جانب إخوانه النبيين عليهم السلام.
ويَحْتمل أن يطرُد من لا يستحقّ الشرب من الحوض،
والعلم عند الله تعالى (2).
13 - (ومنها): أن فيه بيان ما أطلع الله _عزَّ
وجلَّ_ نبيّه _صلى الله عليه وسلم_، وأعلمه من الأمور الغيبيّات المستقبلة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ
8/ تفضيل الصحابة _رضي الله عنهم_
وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام
مسلم بن الحجاج" (6/ 351_352):
وقال القرطبيّ رحمهُ اللهُ بعد ذكره أن ابن عبد
البرّ رحمهُ اللهُ قال:
(إنه يكون فيمن بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان
في جملة الصحابة):
وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صَحِب
النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ورآه ولو مرّةً من عمره أفضل من كلّ من يأتي بعدُ،
وأن فضيلة الصحبة لا يَعْدلها عملٌ، وهذا هو الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار إلى
خلافه؛ لأمور:
[أولها]: مزيّة الصحبة، ومشاهدة رسول الله -
صلى الله عليه وسلم -.
[وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام.
[وثالثها]: خُصوصيّة الذبّ عن حضرة رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -.
[ورابعها]: فضيلة الهجرة والنُّصرة.
[وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول
الله _صلى الله عليه وسلم_.
[وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم.
[وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام.___
[وثامنها]: أن كلّ خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف في
الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم
سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من
سنّ في الإسلام سنّة حسنةً كان له أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة"،
رواه مسلم، ولا شكّ في أنهم الذين سَنُّوا جميع السنن، وسابقوا إلى المكارم، ولو
عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصِرت لملأت أسفارًا، ولكلّت الأعين بمطالعتها
حَيَارى.
وعلى هذه الجملة، قال _صلى الله عليه وسلم_ فيما
أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله _رضي الله عنهما_ مرفوعًا:
"إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى
النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعةً - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان،
وعليًّا -، فجعلهم أصحابي" وقال: "في أصحابي كلِّهم خيرٌ" [بز][7].
وكذلك قال _صلى الله عليه وسلم_:
"اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل
أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه"، متّفق
عليه.
وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى عليهم جملةً،
وتفصيلًا، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم.
فأما استدلال المخالف بقوله - صلى الله عليه وسلم
-: "إخواننا"، فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوّة
الحظُّ الأوفر؛ لأن لهم الأخوّةَ اليقينيّة العامّةَ، وانفردت الصحابةُ بخصوصيّة
الصحبة.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"للعامل منهم أجر خمسين منكم"،
فلا حجة فيه؛ لأن ذلك إن صحّ إنما هو في الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال - صلى الله عليه وسلم - في آخره:
"لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا
يجدون"،
ولا بُعْد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من
الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا
البحث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمهُ اللهُ ["المفهم" (1/
501 – 503)].
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ رحمهُ
اللهُ في هذا البحث، وأفاد." اهـ
وفي "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (3/
414) للإثيوبي:
"قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي ما ذهب إليه معظم العلماء من أن من بعد
الصحابة لا يساوي فضلهم، فضلا عن أن يفضل عليهم، وإن عمل ما عمل لحديث عمران رضي
الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: خير القرون قرني ... الحديث"
متفق عليه. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "لا تسبوا
أصحابي، هو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا
نصيفه". رواه مسلم ج 1 ص 1967. وأما الأحاديث الدالة على تفضيل من أتى بعد
الصحابة رضي الله عنهم، كحديث أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه لما سئل عن هذه
الآية {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] قال: أما والله لقد سألت عنها
خبيرا ... الحديث، وفيه "فإن من ورائكم أيامًا، الصبرُ فيهن مثل القبض على
الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم". أخرجه أبو داود،
والترمذي، فإنها لا تعارض الأحاديث التي أخرجها الشيخان، ولا تقوى قوتها[8]،
والله أعلم."
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (3/ 422):
"في فوائده:
يستفاد من هذا الحديث:
* مشروعية زيارة القبور على الوجه المشروع، والسلام
على أهلها، والدعاء لهم، وسيأتي تمام البحث في هذا الموضوع في كتاب الجنائز في باب
"زيارة القبور" [100] إن شاء الله تعالى.
* وفيه: تمني لقاء الصالحين، وذكر محاسنهم.
* وفيه: فضلُ هذه الأمةِ المحمديةِ،
* وإثباتُ الحوض،
* وأنه - صلى الله عليه وسلم - فرط لأمته، وكفى
بهذا شرفا وفخرا، فهنيئا لمن كان - صلى الله عليه وسلم - فرطه.
* وفيه: فضل الغرة والتحجيل في الوضوء حيث
يكون حلية للمؤمن، يعرف بها يوم القيامة من بين سائر الأمم." اهـ
9/ آثار الوضوء علامة تظهر لهذه الأمة
خاصة في القيامة تدل على فضيلتها
وقال ابن هبيرة _رحمه الله_ في "الإفصاح عن
معاني الصحاح" (6/ 335):
"وآثار الوضوء علامة تظهر لهذه الأمة
خاصة في القيامة تدل على فضيلتها." اهـ
الاستذكار (1/ 183_184):
فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ
الْخُرُوجِ إِلَى الْمَقَابِرِ وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَهَذَا مُجْتَمَعٌ
عَلَيْهِ لِلرِّجَالِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِلنِّسَاءِ
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ
- أَنَّهُ قَالَ ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا
تَقُولُوا هُجْرًا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ____،
وَزَارَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبْرَ أُمِّهِ
يَوْمَ الْفَتْحِ فِي أَلْفِ مُقَنَّعٍ
وَزَارَتْ عَائِشَةُ قَبْرَ أَخِيهَا عبد الرحمن."
اهـ
المنتقى شرح الموطإ (1/ 70)
فَقَالَ: (بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي)،
يُرِيدُ أَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً عَلَى إخْوَانِهِ
وَاخْتِصَاصًا لِصُحْبَتِهِ، وَلَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا إخْوَانَهُ
وَإِنَّمَا مَنَعَ أَنْ يُسَمَّوْا بِذَلِكَ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ،
إنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمُسَمَّى وَالْمَدْحِ
وَالتَّرْفِيعِ مِنْ حَالِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُسَمَّى بِأَرْفَعِ حَالَاتِهِ
وَيُوصَفَ بِأَفْضَلِ صِفَاتِهِ،
وَلِلصَّحَابَةِ بِصُحْبَةِ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَرَجَةٌ لَا يَلْحَقُهُمْ
فِيهَا أَحَدٌ فَيَجِبُ أَنْ يُوصَفُوا بِهَا وَاَلَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أَتَوْا
بَعْدُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُمْ دَرَجَةُ الصُّحْبَةِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ
بِأَنَّهُمْ إخْوَانُهُ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِرَحْمَتِهِ." اهـ
المنتقى شرح الموطإ (1/ 70)
وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ
لَا تَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَلِذَلِكَ يَعْرِفُ الْغُرَّ الْمُحَجَّلِينَ
مِنْهُمْ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ
كَانَتْ لَا تَتَوَضَّأُ وَأَنَّ الْوُضُوءَ اخْتَصَّتْ بِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَلِكَ يَعْرِفُ أُمَّتَهُ بِآثَارِ
الْوُضُوءِ وَهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ
الْأُمَمِ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ وُضُوءَنَا هَذَا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا يَأْتُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ مَا
جُعِلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ
الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَضِيلَةً خُصَّتْ بِهَا.
وقال أبو المطرف القَنَازِعي (المتوفى: 413 هـ)
_رحمه الله_ في "تفسير الموطأ" (1/ 135)
فقالَ: بلْ أنتُم أَصْحَابِي، وإخْوَانَنا الذين لم
يأتُوا بعدُ" فدَلَّ هذا على أنَّ الأُخُوَّةَ اسمٌ عامٌّ يَدْخُلُ فيها مَنْ
شَاهَدَهُ وغيرُهم مِنْ أُمَّتهِ، والصُّحبةُ اسمٌ خَاصٌّ، وهو لِمَنْ رأَى
النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحْبَهُ.
تفسير الموطأ للقنازعي (1/ 135)
"وقولُه: (وأنا فَرَطُهُمْ على الحَوْضِ)،
يعني: أنا مُتَقدِّمُهم يومَ القِيَامَةِ إلى حَوْضِي، والفَارِطُ هو المُتَقدِّمُ
إلى المَاءِ، والوَارِدُ هو الذي يَرِدُ المَاءَ بعدَ الفَارِطِ،
* وثبتَ بهذا الحَدِيثِ أنَّ للنبيِّ - صلى الله
عليه وسلم - حَوْضَا يُورِدُه وأمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ ويَشْرَبُونَ منه،
* وأنَّهُ يَعْرِفُ أُمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ
بِعَلَامةِ الوُضُوءِ التي خُصُّوا بها مِنْ بينِ سَائِرِ الأممِ، وهي الغُرَّةُ
والتَّحْجِيلُ، يأْتُونَ بِيضَ الوُجُؤ والأيدِي،
وذكرَ ابنُ المُبَارَكِ مِنْ طَرِيقِ أبي ذَرٍّ
وأبي الدَّرْدَاءِ:
أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قِيلَ له كيفَ
تَعْرِفُكَ أُمَّتُكَ يومَ القِيَامةِ منْ بينَ سَائِرِ الأُمَمِ؟ فقالَ:
"هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، ولا يكُونُ كذلك أحدٌ
غيرُهم".
تفسير الموطأ للقنازعي (1/ 138)
قِيلَ لأَبي عُمَرَ: أيُّ شَيءٍ يذْهِبُ الوُضُوءُ
الكَبَائِرَ أَمِ الصَّغَائِرَ؟ قالَ: لا تُذْهَبُ الكِبَائِرُ إلا التَّوْبَةُ،
والإعْتِقَادُ ألَّا يَعُودَ.
فيض القدير (3/ 44)
وهذا تحريض على العمل الصالح المقرب له في الدارين
وإشارة إلى قرب وفاته وتقدمه على وفاة صحبه
التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 33_34):
"فيه: فضيلة من آمن___به ولم يره وقد
تقدم شيء من ذلك في حرف الطاء." اهـ
مجالس التذكير من حديث البشير النذير (ص: 196_197):
"وفوائد هذا الحديث:
أولاها: جواز
زيارة القبور، غير أن الجواز مقيد بكونها على الصفة التي وقعت من رسول الله -صلى
الله عليه وآله وسلم- ومن أصحابه - رضوان الله عليهم-وصفة الزيارة في هذا الحديث
مركبة من ثلاثة أشياء:
* أحدها: حق الدعاء للموتى.
* ثانيها: الإعتبار بحالهم.
* ثالثها: دعاء الزائر لنفسه بحسن الخاتمة.
الأول مستفاد من جملة السلام عليكم. والثانى مستفاد
من جملة وإنا بكم لاحقون. والثالث مستفاد من جملة إن شاء الله. فقد قال أبو القاسم
الجوهري: معناه (لا نبدل ولا نغير، نموت كل ما متم عليه إن شاء الله تعالى) نقله
الباجي في شرح الموطأ.
الفائدة الثانية: تسميته
_صلى الله عليه وآله وسلم_ لمن لم يره من أمته بإخوانه، فنحن من إخوانه _صلى الله
عليه واله وسلم_،
وكفى بهذه النسبة شرفا، فما على المسلم إلا أن يعمل
بسنة نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- حتى تتحقق فيه هذه النسبة، وليس من الأدب ولا
من الإيمان أن يستضعف المسلم___
هذه النسبة ويحاول تقويتها بنسبة أخرى إلى شخص آخر
ككونه خوني فلان أو حبيبه أو درويشه.
وعدم تسميته- صلى الله طيه واله وسلم- لأصحابه
بالإخوان يدل على فضل الصحبة وأن لها مزية زائدة على مطلق الأخوة، وهذا لا خلاف
فيه.
الفائدة الثالثة: عنايته-
صلى الله عليه وآله وسلم- بأمته في الآخرة، كما كان حريصا على هدايتهم في الدنيا،
يدل على هذه العناية قوله: (وأنا فرطهم على الحوض)
قال الباجى في "شرحه":
يريد أن يتقدمهم إليه ويجدونه عنده. رواه ابن حبيب
عن مالك. يقال فرطت القوم إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيىء لهم الماء والرشاء.
الفائدة الرابعة: أن
عنايته- صلى الله عليه وآله وسلم- بأمته في الآخرة خاصة بالثابتين على سنته منهم،
فأما المبتدعون الذين بدلوا سنته وأحلوا محلها
بدعتهم فإنه- صلى الله عليه وآله وسلم- يبعدهم عنه بقوله: (فسحقا، فسحقا، فسحقا).
ثم هذا الابعاد معناه الحرمان من ماء الحوض في وقت
شدة الحاجة إليه، فإن كان الابتداع والتبديل بالمروق من الدين،
فالإبعاد حرمان من الشفاعة أيضا، ويبقى ذلك المبتدع
مخلدا في النار، وإن كان الابتداع لا يخرج من الدين،
فالإبعاد عن الحوض لا يمنع المبتدع أن تناله
الشفاعة، غير أن في الإبعاد عن الحوض عذابا بالظمإ وخزيا بالطرد.
نسأل الله أن يحيينا على سنة رسوله الكريم، وأن لا
يحرمنا من ماء حوضه العذب ولا من شفاعته المرجوة." اهـ
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 18)
وسائر الناس ليسوا كذلك، لاختصاص الغرة والتحجيل
بهذه الأمة من بين الأمم، ويكون الوجه كله متنوراً من أثر الوضوء، ولكن الجبهة
تكون أشد تنوراً من أجل السجود." اهـ
الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (2/ 718)
«بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا
الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فَلَابُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى أَنَّ
الْأَصْحَابَ يَعْنِي بِهِمْ مَنْ آمَنَ بِي فِي حَيَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ،
وَيَصْدُقُ لَفْظُ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ
مَانِعِي الزَّكَاةِ تَأْوِيلًا عَلَى أَنَّ أَخْذَهَا إِنَّمَا كَانَ لِرَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ عَامَّةَ
أَصْحَابِهِ الَّذِينَ رَأَوْهُ وَأَخَذُوا عَنْهُ بَرَاءَةٌ مِنْ ذَلِكَ.
مجموع الفتاوى (11/ 371)
فَهَذَا فِيهِ بُشْرَى لِلْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ
فِيهِمْ مَنْ يُقَارِبُ السَّابِقِينَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:
{خَيْرُ أُمَّتِي أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا. وَبَيْنَ ذَلِكَ ثَبْجٌ أَوْ عِوَجٌ.
وَدِدْت أَنِّي رَأَيْت إخْوَانِي قَالُوا: أَوَلَسْنَا إخْوَانَك؟ قَالَ:
أَنْتُمْ أَصْحَابِي} هُوَ تَفْضِيلٌ لِلصَّحَابَةِ فَإِنَّ لَهُمْ خُصُوصِيَّةَ
الصُّحْبَةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِخْوَةِ.
منهاج السنة النبوية (8/ 389)
وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ
(2) ، ثُمَّ قَالَ: " «قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ
يَرَوْنِي» "؛ فَجَعَلَ هَذَا حَدًّا فَاصِلًا بَيْنَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ
وَدَّ أَنْ يَرَاهُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ
وَرَآهُ، فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ (3) لَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ
لَمْ يَرَهُمْ وَلَمْ يَرَوْهُ.
فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الصُّحْبَةَ اسْمُ جِنْسٍ
تَعُمُّ قَلِيلَ الصُّحْبَةِ وَكَثِيرَهَا، وَأَدْنَاهَا أَنْ يَصْحَبَهُ زَمَنًا
قَلِيلًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّدِّيقَ فِي ذُرْوَةِ سَنَامِ الصُّحْبَةِ،
وَأَعْلَى مَرَاتِبِهَا فَإِنَّهُ صَحِبَهُ مِنْ حِينِ بَعْثِهِ (4) اللَّهُ إِلَى
أَنْ مَاتَ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ
الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ
مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدُ
بْنُ حَارِثَةَ، وَتَنَازَعُوا فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ بَعْدَ
خَدِيجَةَ، فَإِنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَسْلَمَ قَبْلَ عَلِيٍّ فَقَدْ ثَبَتَ
أَنَّهُ أَسْبَقُ صُحْبَةً كَمَا كَانَ أَسْبَقَ إِيمَانًا، وَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ
أَسْلَمَ قَبْلَهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَكْمَلَ وَأَنْفَعَ لَهُ مِنْ صُحْبَةِ
عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّهُ شَارَكَهُ فِي الدَّعْوَةِ فَأَسْلَمَ عَلَى
يَدَيْهِ أَكَابِرُ أَهْلِ الشُّورَى
زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 58)
وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَقَدْ قَالَ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ
الْأَرْضِ خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أبا بكر خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ
الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: (وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي) وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ
فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً كَمَا قَالَ: ( «وَدِدْتُ أَنْ قَدْ
رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: أَنْتُمْ
أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ
يَرَوْنِي» ) فَلِلصِّدِّيقِ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا،
كَمَا لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا، فَالصَّحَابَةُ لَهُمُ
الْأُخُوَّةُ وَمَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ، وَلِأَتْبَاعِهِ بَعْدَهُمُ الْأُخُوَّةُ
دُونَ الصُّحْبَةِ.
شرح سنن النسائي - الراجحي (8/ 30، بترقيم الشاملة
آليا)
هذا فيه فضل الوضوء، وفيه أن من خصائص الأمة الغرة
والتحجيل، والغرة هي البياض في الوجه، فيكون في وجوههم نور وبياض يعرفون به من أثر
الوضوء، وكذلك في اليدين والرجلين.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن يرى
إخوانه، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين
يأتون من بعدي.
فقالوا: يا رسول الله! كيف تعرفهم؟ قال: أعرفهم
بالعلامة حيث يكونون غراً محجلين، وضرب لهم مثلاً فقال: إن الإنسان إذا كان له خيل
محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف هذا من هذا؟ قالوا: بلى.
قال: فكذلك أعرفهم.
وفيه أن الصحابة إخوان وأصحاب، وأما الذين يأتون من
بعد فإنهم إخوان وليسوا بأصحاب، فالصحابة لهم وصفان: الأخوة والصحبة، وأما من يأتي
من بعد فليس لهم الصحبة، ولكن لهم أصل الأخوة، ولهذا قال: وددت أني رأيت إخواني.
قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم
أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي.
[1] وقال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (6/ 337):
"وقوله:
(بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد هذا الوقت، يعني أنهم لم يوجدوا معه
"الآن"، وكلمة "بَعْدُ" قد يراد بها الآن." اهـ
[2] حديث صحيح، أخرجه أحمد في
"مسنده" (12360)، والترمذيّ في "جامعه" (2357).
[3] هم المعتزلة وبعض الخوارج.
[4] قال أبو فائزة البوجيسي:
وهناك كتاب نفيس في بابه، كتبه نعمان بن محمود الألوسي
(المتوفى: 1317 هـ) _رحمه الله_، وسماه
"الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات" وحققه
الألباني _رحمه الله_، وأيّد فيه مؤلفه أن الموتى لم يسمعوا من حوله من الأحياء.
قال الشيخ الألباني _رحمه الله_ "تحقيق الآيات
البينات في عدم سماع الأموات" (ص: 39):
"وخلاصة
البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم - كما
ستراه في الكتاب مبسوطا - على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فإذا ثبت أنهم
يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في
حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلا فيقال إن
الموتى يسمعون كما فعل بعضهم.)
كلا فإنها
قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارَضُ بها الأصل المذكور، بل الحق: أنه يجب أن
تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر أو الخاص من العام كما هو المقرر في
علم أصول الفقه.
ولذلك قال العلامة الآلوسي في "روح
المعاني" بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (6 / 455) :
"والحق
أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن رجب
الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص 70).
وما أحسن ما قاله ابن التين رحمه الله:___"إن
الموتى لا يسمعون بلا شك لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم
يمتنع لقوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة} الآية وقوله: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا
أو كرها} الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص 72)
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون
فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا
قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص 16 - 21) بحكم كونهم لا يسمعون النداء
وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله
العظيم القائل في كتابه الكريم: {ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له
إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا
بعبادتهم كافرين} . (الأحقاف 5 - 6)." اهـ كلام الألباني _رحمه الله_.
[5] أخرجه
الطبرانيّ في "الأوسط" بلفظ: "اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من
بعدي الذين يروون أحاديثي، وسنتي، ويعلمونها الناس"، وهو حديث موضوع، انظر
"الضعيفة" للشيخ الألبانيّ (2/ 247) (رقم: 854).
[6] أخرجه
الترمذيّ من حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعًا: "يأتي على الناس زمان الصابر
فيهم على دينه كالقابض على الجمر"، وصحّحه الشيخ الألبانيّ بشواهد، راجع
"الصحيحة" 2/ 645) (رقم: 957)
[7] رواه
البزّار كما في "كشف الأستار" (2763) وقال الهيثميّ: ورجاله ثقات، وفي
بعضهم خلاف. انتهى. "مجمع الزوائد" (10/ 16).
[8] قال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (3/ 414):
"بل الحديث ضعيف، فلا يعارض ما في الصحيحين." اهـ
Komentar
Posting Komentar