شرح الحديث 135 (باب بيان كثرة طرق الخير) من رياض الصالحين

 

[135] التاسع عشر: عَنْهُ، قَالَ :

قَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ :

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقَةً» . رواه مسلم.

وفي رواية لَهُ: «فَلا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْساً فَيَأْكُلَ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقة إِلَى يَومِ القِيَامةِ» .

وفي رواية لَهُ: «لا يَغرِسُ مُسْلِمٌ غَرساً، وَلا يَزرَعُ زَرعاً، فَيَأكُلَ مِنهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَةٌ وَلا شَيءٌ، إلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» .

وروياه جميعاً من رواية أنس[1] - رضي الله عنه -.

قوله: «يَرْزَؤُهُ» أي ينقصه.

 

ترجمة جابر بن عبد الله الأنصاري _رضي الله عنهما_:

 

قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 189):

"جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ السَّلِمِيُّ * (ع): ابْنِ ثَعْلَبَةَ بنِ حَرَامِ بنِ كَعْبِ بنِ غَنْمِ بنِ كَعْبِ بنِ سَلِمَةَ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، المُجْتَهِدُ، الحَافِظُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، السَّلِمِيُّ، المَدَنِيُّ، الفَقِيْهُ. مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ شَهِدَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ مَوْتاً.

رَوَى عِلْماً كَثِيْراً عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَائِفَةٍ." اهـ

 

وقال الذهبي _رحمه الله_ في "تاريخ الإسلام" - ت. بشار (2/ 801):

"قَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَالْوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ أَرْبَعًا وتسعين سنة." اهـ

 

وفي "الأعلام" للزركلي (2/ 104):

جابِر بن عبد الله (16 ق هـ - 78 هـ = 607 - 697 م)

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السملي: صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلم وروى عنه جماعة من الصحابة. له ولأبيه صحبة. غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم. روى له البخاري ومسلم___وغيرهما 1540 حديثا." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

التاسع عشر: عَنْهُ، قَالَ:

قَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقَةً» . رواه مسلم.

 

 

وفي رواية لَهُ: «فَلا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْساً فَيَأْكُلَ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ إلا كَانَ لَهُ صَدَقة إِلَى يَومِ القِيَامةِ» .

وفي رواية لَهُ: «لا يَغرِسُ مُسْلِمٌ غَرساً، وَلا يَزرَعُ زَرعاً، فَيَأكُلَ مِنهُ إنْسَانٌ وَلا دَابَةٌ وَلا شَيءٌ، إلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً» .

وروياه جميعاً من رواية أنس[2] - رضي الله عنه -.

قوله: «يَرْزَؤُهُ» أي ينقصه.

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (6/ 420) (رقم: 27361)

سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَتْ:

دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي حَائِطٍ فَقَالَ: لَكِ هَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: مَنْ غَرَسَهُ؟ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ قُلْتُ: مُسْلِمٌ، قَالَ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أو يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَائِرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ سَبُعٌ، أَوْ شَيْءٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً)."

 

وأما حديث أنس _رضي الله عنه_، فقد أخرجه البخاري (3/ 103) (رقم: 2320) بإسناده:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ»

 

والفرق بين الغرس والزرع:

أن الغرس: هو ما بقي أصله ويؤتي ثماره، مثل النخل وأشجار الفاكهة،

 والزرع: هو ما يُزرَع ويُحصَد، مثل القمح والأرز

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (3/ 1188/ 7) (رقم: 1552)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (10/ 456) (رقم: 19690)، وأبو داود الطيالسي في "المسند" (3/ 327) (رقم: 1884)، والحميدي في "المسند" (2/ 346) (رقم: 1311)، وأحمد في "المسند" – ط. عالم الكتب (3/ 391) (رقم: 15201)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 311) (رقم: 1011)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (4/ 149 و 4/ 170) (رقم: 2213 و 2245)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (12/ 287) (رقم: 5633)، وابن حبان في "صحيحه" (8/ 154) (رقم: 3368_3369)، والطبراني في "المعجم الكبير" (25/ 100) (رقم: 260)، وفي "مسند الشاميين" (4/ 86) (رقم: 2802)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6/ 227_228) (رقم: 11749_11750)، وفي "معرفة السنن والآثار" (8/ 351) (رقم: 12166)، والبغوي في "شرح السنة" (6/ 149) (رقم: 1650).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 37) (رقم: 8)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1005) (رقم: 5768)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 697) (رقم: 2596)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (5/ 255) (رقم: 3357).

 

وأما حديث أنس _رضي الله عنه_، فقد أخرجه البخاري في "صحيحه" (3/ 103 و 8/ 10) (رقم: 2320 و 6012)، ومسلم في "صحيحه" (3/ 1189/ 12) (رقم: 1553)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (3/ 658) (رقم: 1382)، وصححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 37) (رقم: 7)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 595) (رقم: 1900)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 697) (رقم: 2597).

 

من فوائد الحديث:

 

1/ فيه: فضل الغرس والزرع

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 429):

"فيه: فضل الغرس والزرع." اهـ

 

قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (10 / 213):

"في هذه الأحاديث فضيلة الغرس وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة.

 

2/ واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 429):

واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب

واختلف في أفضل المكاسب،

فقال النووي:

(أفضلها الزراعة، وقيل: أفضلها الكسب باليد وهي الصنعة، وقيل: أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد)." اهـ

 

وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" (10 / 213):

"وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها:

فقيل: التجارة، وقيل: الصنعة باليد، وقيل: الزراعة، وهو الصحيح وقد بسطت إيضاحه في آخر باب الأطعمة من "شرح المهذب"." اهـ

 

3/ وفيه: أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم، دون الكافر

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 429):

"وفيه: أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم، دون الكافر، لأن القرب إنما تصح من المسلم. فإن تصدق الكافر أو بنى قنطرة للمارة أو شيئا من وجوه البر، لم يكن له أجر في الآخرة." اهـ

 

شرح النووي على مسلم - (10 / 213)

وفي هذه الأحاديث أيضا أن الثواب والأجر في الآخرة مختص بالمسلمين وأن الانسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر ونحوهما

 

4/ وفيه: أن المرأة تدخل في قوله (ما من مسلم...)،

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 429):

وفيه: أن المرأة تدخل في قوله (ما من مسلم...)، لأن هذا اللفظ من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة، لأنه لم يرد بهذا اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواءه

 

5/ وفيه حصول الأجر للغارس والزارع وإن لم يقصدا ذلك حتى لو غرس وباعه أو زرع وباعه، كان له بذلك صدقة

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 429):

"وفيه حصول الأجر للغارس والزارع وإن لم يقصدا ذلك حتى لو غرس وباعه أو زرع وباعه كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم كما ورد الأجر للجالب وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 65)

وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَكُونُ صَدَقَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الزَّارِعُ وَالْغَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا نِيَّةٍ." اهـ

 

6/ وفيه: أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 430):

"وفيه: أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم

وقد ذهب قوم من المتزهدة إلى أن ذلك مكروه وقادح في الزهد!

ولعلهم تمسكوا في ذلك بما رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا:

(لا تتخذوا الضيعة، فتركنوا إلى الدنيا)[3] وقال: "حديث حسن"، ورواه ابن حبان أيضا في "صحيحه"،

وأجيب: بأن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا،

وأما إذا اتخذها غير مستكثر وقلل منها، وكانت له كفافا وعفافا، فهي مباحة غير قادحة في الزهد وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي بقوله إلا من أخذه بحقه ووضعه في حقه." اهـ

 

7/ وفيه: الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 430):

"وفيه: الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (5 / 3):

قال البخاري في:

(باب: فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة:63-65]):

ولا شك أن الآية تدل على إباحة الزرع من جهة الامتنان به، والحديث يدل على فضله بالقيد الذي ذكره المصنف.

وقال ابن المنير: أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن عمر، فمحله: ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة." اهـ

 

8/ وفيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (18 / 430):

"وفيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي." اهـ

 

9/ هذا يدل أن الصدقة على جميع الحيوان وكل ذي كبد رطبة

 

وقال أبو الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (6 / 456):

"قال المهلب: هذا يدل أن الصدقة على جميع الحيوان وكل ذي كبد رطبة، فيه أجر، لكن المشركين لا نأمر بإعطائهم من الزكاة الواجبة لقوله عليه السلام : (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم)." اهـ

 

10/ ليس لرب الأرض حقٌّ فى الزرع الذى أخرجته الأرض.

 

وقال أبو الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (6 / 456):

وفيه من الفقه: أن من يزرع فى أرضِ غيره أن الزرع للزارع، ولرب الأرض عليه كراء أرضه لقوله _عليه السلام_:

(ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا إلا كان له صدقة).

فجعل الصدقة للزارع والثواب له خاصة دون رب الأرض، فعلمنا أنه ليس لرب الأرض حقٌّ فى الزرع الذى أخرجته الأرض." اهـ

 

11/ والقصد أنه بأي سبب يؤكل مال الرجل يحصل له الثواب

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (5 / 496):

"قال المظهر: والقصد أنه بأي سبب يؤكل مال الرجل يحصل له الثواب." اهـ

 

12/ وفيه: أن المتسبب في الخير، له أجر العامل به

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (5 / 496):

"وفيه: أن المتسبب في الخير له أجر العامل به هبه من أعمال البر أو من مصالح الدنيا وذلك يتناول من غرس لنفقته أو عياله وإن لم ينو ثوابه ولا يختص بمباشرة الغرس أو الزرع بل يشمل من استأجر لعمله

 

13/ ولا يختص حصولُ هذه الصدقات بمن باشر الغرسَ أو الزراعةَ، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك.

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (1/ 470_471):

"ولا يختص حصولُ هذه الصدقات بمن باشر الغرسَ أو الزراعةَ، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك.

والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل_ المعجوز عنه بالحصد فيأكل منه حيوان فإنه مندرج تحت مدلول الحديث." اهـ

 

 

14/ في هذا: حث على شمول الرحمة حتى للبهائم، وترغيب في ذلك

 

وقال أبو العباس أحمد بن محمد القاضي، الشهير بـ"ابن المنير" الْجُذامي الجَرْوِيُّ الإسكندراني (المتوفى: 683 هـ) _رحمه الله_ في "المتواري على أبواب البخاري" (ص / 176):

"وفي هذا: حث على شمول الرحمة حتى للبهائم، وترغيب في ذلك." اهـ

 

15/ في هذا الحديث: سعة كرم الله تعالى، وأنَّه يثيب على ما بعد الحياة

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 110):

"في هذا الحديث: سعة كرم الله تعالى، وأنَّه يثيب على ما بعد الحياة، كما يثيب عليه في الحياة، وأنَّ ما أخذ من الإنسان بغير عمله فهو صدقة له.

 

ومن فوائد الحديث:

 

1_ فيه: فضل الغرس والزرع للمسلم: كل ما ينتفع به الناس أو الدواب أو الطيور يكون لصاحبه صدقة.

2_ فيه: أن استمرار الأجر إلى يوم القيامة: لأن الأثر باقٍ ما دام الناس والدواب والطير ينتفعون بما غرسه.

3_ فيه: حثٌّ للمسلمين على عمارة الأرض، فالزراعة والغرس من الأعمال الصالحة التي تدخل في العبادة.

4_ فيه: أن نفع الغير سبب للأجر الكبير، فالمسلم لا يُشترط أن ينتفع بنفسه مما زرع، بل يكفي انتفاع المخلوقات الأخرى ليكتب له الأجر.

5_ أن الصدقة لا تقتصر على المال المباشر: بل كل نفع يصل للخلق، ولو من زرع أو شجر، فهو صدقة.

6_ فيه: بيان سعة فضل الله ورحمته حتى ما يُسرق أو يُنقص من زرعه يكون له به صدقة.

7_ فيه: الترغيب في خدمة المجتمع، فالمسلم يسعى لبذل الخير لغيره حتى بعد وفاته بما خلفه من زرع وغرس.

8_ فيه: أن الصدقة قد تحصل من غير قصد مباشر، فالزرع قد ينتفع به الطير أو الدابة دون علم صاحبه، ومع ذلك يُكتب له أجر الصدقة.

9_ فيه: دلالة على أن الشرع جاء لمصالح العباد والبلاد، فحثّ على ما يُقيم حياتهم ومعايشهم.

10_ فيه: إثبات أن عمل المسلم المبارك يتعدى نفعه حتى للكافر والبهيمة والطير، ولا يضيع عند الله.

11_ فيه: فضل العمل المنتج والفعل البنّاء، إذ لم يُثن الشرع على البطالة والكسل، بل على عمارة الأرض وإحيائها.

12_ فيه: الحث على حسن النية، فالمسلم إذا قصد بغرسه وجه الله ونفْعَ الناسِ صار غرسُه عبادة مستمرة.

13_ فيه: إشارة إلى الصدقة الجارية، فالغرس والزرع مما يبقى أجره حتى بعد موت صاحبه.

14_ فيه: أن الغرس والزرع أمر مندوب في شرعنا المطهر حيث أنهما من أسباب استمرار الحياة ونفع الخلق.



[1] أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصارى النجارى ، أبو حمزة المدنى : صحابى جليل، خادم رسول الله _صلى الله الله عليه وسلم_، توفي سنة 92 هـ.

[2] أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصارى النجارى ، أبو حمزة المدنى : صحابى جليل، خادم رسول الله _صلى الله الله عليه وسلم_، توفي سنة 92 هـ.

[3] أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (4/ 565) (رقم: 2328)، وابن حبان في "صحيحه" (2/ 487) (رقم: 710): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا»، - صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 45) (رقم: 12)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ