شرح الحديث 88 (10- باب المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد) من رياض الصالحين
|
[88]
الثَّاني: عن أبي سِرْوَعَة _بكسر السين المهملة وفتحها_ عُقبةَ بن الحارث _رضي
الله عنه_ قَالَ: "صَلَّيتُ
وَرَاءَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ
قَامَ مُسْرِعاً، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ،
فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ
عَلَيهمْ، فَرأى أنَّهمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرعَتهِ، قَالَ: «ذَكَرتُ
شَيئاً مِنْ تِبرٍ عِندَنَا فَكَرِهتُ أنْ يَحْبِسَنِي فَأمَرتُ بِقِسْمَتِهِ». رواه البخاري. وفي
رواية لَهُ: «كُنتُ خَلَّفتُ في البَيْتِ تِبراً
مِنَ الصَّدَقةِ فَكَرِهتُ أنْ أُبَيِّتَهُ». «التِّبْرُ»: قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. |
ترجمة
عقبة بن الحارث النوفلي _رضي الله عنه_:
وفي "الاستيعاب
في معرفة الأصحاب" (4/ 1667) (رقم: 2987) لابن عبد البر:
"أبو سِرْوعة:
عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي، حجازي، له صحبة.
روى عنه عبيد
بن أبي مريم وابن أبي مليكة. قد ذكرناه فِي باب اسمه عقبة عَلَى مَا ذكره جماعة
أهل الحديث.
وأما
أهل النسب: الزُّبَيْر وعمه مصعب والعدوي، فإنهم قَالُوا: (أَبُو
سِرْوَعَةَ بْنُ الحارِثِ) هَذَا هُوَ عتبة بْن الحارث،
وقد ذكروا أنه
أسلم عام الفتح، وله صحبة." اهـ
وفي "تهذيب
الكمال في أسماء الرجال" (20/ 192) للمزي:
"عقبة بن
الْحَارِثِ بن عامر بن نوفل بْن عَبْد مناف بْن
قصي القرشي النوفلي، أبو سِروعة المكي، لهُ صُحبَةٌ، أسلم يوم
فتح مكة."
وفي "معرفة
الصحابة" (4/ 2154) لأبي نعيم:
"أُمُّهُ: خُزَاعِيَّةٌ، سَكَنَ مَكَّةَ." اهـ
وفي "الطبقات
الكبرى" لابن سعد – ط. دار صادر (5/ 447):
"عُقْبَةُ
بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّهُ: خَدِيجَةُ أَوْ أُمَامَةُ بِنْتُ عِيَاضِ
بْنِ رَافِعٍ مِنْ خُزَاعَةَ." اهـ
وفي "حسن
المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" (1/ 219) للسيوطي:
"عقبة بن
الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف المكي. أبو سروعة بن مسلمة الفتح. قال ابن الربيع: شهد فتح مصر." اهـ
قال الحافظ فى
"تقريب التهذيب" ( ص / 394) : "من مسلمة الفتح، بقي إلى بعد الخمسين ". اهـ .
وقال تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي
المكي (المتوفى: 832 هـ) _رحمه الله_ في "العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين"
(5/ 222):
"أسلم
يوم فتح مكة، وروى ثلاثة أحاديث، منها حديث: «أنه
تزوج امرأة، فقالت امرأة: قد أرضعتكما»
نص
الحديث وشرحه:
عن أبي
سِروْعَة _بكسر السين المهملة وفتحها_ عُقبةَ بن الحارث _رضي الله عنه_ قَالَ :
"صَلَّيتُ
وَرَاءَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ بالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ
قَامَ مُسْرِعاً، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ،
[تعليق]:
وفي
"دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 299) لابن علان الصديقي:
"(فَفَزِعَ)
بوزن (عَلِمَ)، من الفزع: الخوف: أي: خاف (الناس من سرعته) في السير إلى تلك
الحجرة، وعادته أن يمشي هوناً، وعادتهم الفزع إذا رأوا منه غير ما يعهدون خشية أن
ينزل فيهم شيء يسوءهم." اهـ
التخطي رقاب
الناس منهي عنه، إلا لحاجة، قد ورد النهي عنه في "سنن أبي داود" (1/
292) (رقم: 1118)، وفي "سنن النسائي (3/ 103) (رقم: 1399)
عَنْ أَبِي
الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ:
كُنَّا مَعَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ
يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»
صححه الألباني
_رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (4/ 281) (رقم: 1024)
فَخَرَجَ
عَلَيهمْ، فَرأى أنَّهمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرعَتهِ، قَالَ :
«ذَكَرتُ
شَيئاً مِنْ تِبْرٍ عِندَنَا، فَكَرِهتُ أنْ يَحْبِسَنِي،
فَأمَرتُ بِقِسْمَتِهِ». رواه البخاري.
[تعليق]:
وفي
فتح الباري لابن رجب (7/ 443):
"والتبر:
هو قطع الذهب قبل أن يضرب. والظاهر: أنه كان من
مال الصدقة أو غيرها من الأموال التي يجب قسمتها على المساكينِ ونحوِهم." اهـ
قلت: نعم، هو من من مال الزكاة، أيد ذلك
الروايةُ الثانية التي أوردها المصنف _رحمه الله_ بعده.
وفي
"فتح الباري" لابن حجر (2/ 337):
"وَالتِّبْرُ
(بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ): الذَّهَبُ الَّذِي لَمْ
يُصَفَّ وَلَمْ يُضْرَبْ.
قَالَ
الْجَوْهَرِيُّ: (لَا يُقَالُ إِلَّا لِلذَّهَبِ، وَقَدْ قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي
الْفِضَّةِ)، انْتَهَى.
وَأَطْلَقَهُ
بَعْضُهُمْ عَلَى جَمِيعِ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ قَبْلَ
أَن تصاغ أَو تضرب، حَكَاهُ بن الْأَنْبَارِي عَن الْكسَائي، وَكَذَا أَشَارَ
إِلَيْهِ ابن دُرَيْد. وَقيل: هُوَ الذَّهَب المكسور حَكَاهُ بن سِيدَهْ."
اهـ
وفي
رواية لَهُ: «كُنتُ خَلَّفتُ في البَيْتِ تِبراً مِنَ
الصَّدَقةِ، فَكَرِهتُ أنْ أُبَيِّتَهُ».
«التِّبْرُ» :
قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
تخريج
الحديث :
أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم: 851 و 1221 و 1430)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (7/ 83) (رقم: 34373)، وأحمد في "مسنده" (رقم: 16151 و 19426)، والنسائي في "سننه" (3/ 84) (رقم: 1365)، في "السنن الكبرى" (2/ 108) (رقم: 1290)، وفي "المجتبى" (3/ 84) (رقم: 1365)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثانيْ" (1/ 354) (رقم: 476)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 491) (رقم: 3870)، وفي "شعب الإيمان" (13/ 59) (رقم: 9950 و 9951)، وابن زَنْجُوْيَه في "الأموال" (3/ 1277) (رقم: 2).
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 590) (رقم: 1883)
من
فوائد الحديث :
1/ الإسراع
بالقيام عقب السلام من غير تمهلٍ لم يكن من عادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -.
وقال زين
الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي،
البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في كتابه "فتح الباري" (7/ 442):
"فيه:
دليل على أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهلٍ، لم يكن من عادة النبي _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، ولهذا تعجبوا من سرعته في هذه المرة، وعلم منهم ذلك،
فلذلك أعلمهم بعذره." اهـ
وقال حمزة بن محمد
بن قاسِمٍ الْمَغْرِبِيُّ (المتوفى 1431 هـ) _رحمه الله_ في "منار القاري شرح
مختصر صحيح البخاري" (3/ 25)
ويستفاد من
الحديث فوائد كثيرة،
منها: استحباب
المبادرة إلى إخراج الصدقة والزكاة في وقتها فوراً، وكراهية تأخيرها خوفاً من تغير
الأحوال.
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز
رياض الصالحين" (ص: 84):
"في هذا
الحديث: المبادرة لأداء القُرُبات، وفعل الخيرات. " اهـ
وقال عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد الرَّحْمَانِيُّ
الْمُبَارَكْفُوْرِيُّ (المتوفى: 1414 هـ) _رحمه الله_ في "مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (6/ 315_316):
"وفيه: أن الخير ينبغي أن___يبادر به فإن الآفات تعرض
والموانع تمنع والموت لا يؤمن. والتسويف غير محمود، والتعجيل به أخلص للذمة وأنفى
للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب، وفيه جواز الاستنابة مع
القدرة على المباشرة." اهـ
2/ التخطي
للإمام لحاجةٍ جائزٌ
وقال زين
الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي،
البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في كتابه "فتح الباري" (7/ 442_443):
"وفيه: دليلٌ على أن التخطي للإمام لحاجةٍ جائزٌ، وإن كان
بعد فراغه من الصلاة، كما له أن يتخطى الصفوف في حال دخوله - أيضاً -،
وأما غيره،
فيكره له ذلك. وظاهر كلام أحمد أنه يكره للإمام -أيضاً.
قال إسحاق بن
هانئٍ : ____
"سألت
أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من بين رجلين، أفهو
متخطً؟"
قال : "نعم،
وأحب إلى أن يتنحى عن القبلة قليلاً حتى ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط فهذا ليس
بمتخط."
وظاهر هذا:
كراهةٌ تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده: إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك."
اهـ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (2/
337):
"وَأَنَّ
التَّخَطِّيَ لِلْحَاجَةِ مُبَاحٌ." اهـ
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(2/ 463):
"وفيه:
أن التخطى بما لا غنى بالإنسان عنه مباح فعله.
وقال
المهلب: التخطى لا يكون مكروهًا إلا فى موضع يشتغل الناس
فيه عن الصلاة أو عن الخطبة،
فحينئذ يكره
التخطى من أجل شغل الناس بمن تخطاهم عما هم فيه من الذكر والاستماع، وقد تحضر
الإنسانَ ضرورةُ حقن أو ذكر حاجة يخشى فوتها، فيستجاز التخطى فى ذلك كالراعف
والمحدث يخرج من بين الصفوف." اهـ
وقال حمزة بن محمد
بن قاسِمٍ الْمَغْرِبِيُّ (المتوفى 1431 هـ) _رحمه
الله_ في "منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري" (2/ 224):
"ويستفاد
منه ما يأتي :
أولاً: جواز
تخطي الرقاب في المسجد لعذر شرعي كالرعاف وحرقة البول، والغائط، أو تذكر أمر هام.
ثانياً: أن
التفكير في الأمور الدنيوية لا يفسد الصلاة." اهـ
3/ الْمُكْثُ
بَعْدَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري"
(2/ 337):
"وَفِي
الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمُكْثَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ." اهـ
أحمد بن
إسماعيل الكوراني الحنفي (المتوفى 893 هـ) _رحمه
الله_ في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (2/ 471):
"وفي
الحديث: دلالة على أن مكث الإمام في مصلّاه إنما يكون إذا لم يقع ضرورة. وأراد
بالحبس: حبس فكره في جلال الله وآياته،
وفي "البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 160) للإثيوبي:
"قال
الحافظ ابن رجب _رَحِمَهُ اللَّهُ_: (المنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف
عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء)." اهـ
وفضل المكث قد
ورد في "صحيح البخاري" (1/ 96) (رقم: 445)، و"صحيح مسلم" (1/
459) (رقم: 649):
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"
المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى
فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ
ارْحَمْهُ "
4/ التَّفَكُّرُ
فِي الصَّلَاةِ فِي أَمْرٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (2/
337):
"وَأَنَّ التَّفَكُّرَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَمْرٍ لَا
يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يُنْقِصُ مِنْ كَمَالِهَا،
وَأَنَّ إِنْشَاءَ الْعَزْمِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأُمُورِ
الْجَائِزَةِ لَا يَضُرُّ." اهـ
وقال محمد بن
أبي بكر، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بـ"الدماميني" (المتوفى: 827 هـ) _رحمه الله_ في
"مصابيح الجامع" (2/ 407):
"فيه: أن
عروضَ الذكر في الصلاة في أجنبيٍّ عنها من وجوه الخير، وإنشاء العزم في أثنائها
على الأمور المحمودة، لا يبطلها، ولا يقدح في كمالها." اهـ
5/ إِطْلَاقُ
الْفِعْلِ عَلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ
وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (2/
337):
"وَفِيهِ:
إِطْلَاقُ الْفِعْلِ عَلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ على
الْمُبَاشرَة." اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (6/ 142):
"ذكر مَا
يُسْتَفَاد مِنْهُ:
فِيهِ:
إِبَاحَة التخطي رِقَاب النَّاس من أجل الضَّرُورَة الَّتِي لَا غنى للنَّاس
عَنْهَا، كرعاف وحرقة بَوْل أَو غَائِط وَمَا أشبه ذَلِك.
وَفِيه:
السرعة للْحَاجة المهمة.
وَفِيه: أَن
التفكر فِي الصَّلَاة فِي أَمر لَا يتَعَلَّق بهَا لَا يُفْسِدهَا وَلَا ينقص من
كمالها.
وَفِيه:
جَوَاز
الِاسْتِنَابَة مَعَ الْقُدْرَة على الْمُبَاشرَة. "اهـ
وقال الشيخ العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 25):
"وفي هذا
الحديث أيضاً : دليل على جواز التوكيل في قسم ما يجب على الإنسان قسمته؛
ولهذا قال :
(فأمرت بقسمته) فأمر _عليه الصلاة والسلام_ أن يقسم، وهذا التوكيل جائز في كل حق
تدخله النيابة من حقوق الله؛ كالحج مثلاً، وأداء الزكاة، وحقوق الآدميين؛ كالبيع،
والشراء، والرهن، وما أشبهها.
وخلاصة
هذا الحديث: هو المبادرة إلى فعل الخيرات، وعدم التهاون في ذلك،
واعلم أنك إذا عودت نفسك على التهاون اعتادت عليه وإذا عودتها على الحزم والفعل
والمبادرة اعتادت عليه. وأسال الله ـ تعالى ـ أن يعينني وإياكم على ذكره، وشكره،
وحسن عبادته." اهـ
6/ من
حبس صَدَقَة الْمُسلمين من وَصِيَّة أَو زَكَاة أَو شبههما يخَاف عَلَيْهِ أَن
يحبس فِي الْقِيَامَة
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (6/ 142):
"وَفِيه:
أَن
من حبس صَدَقَة الْمُسلمين من وَصِيَّة أَو زَكَاة أَو شبههما يخَاف عَلَيْهِ أَن
يحبس فِي الْقِيَامَة لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَكرِهت أَن يحبسني) ،
يَعْنِي: فِي الْآخِرَة
وَمِنْه قَالَ
ابْن بطال: (إِن تَأْخِير الصَّدَقَة يحبس صَاحبهَا يَوْم الْقِيَامَة).
وَفِيه: أَنه _صلى
الله عَلَيْهِ وَسلم_، كَانَ لَا يملك شَيْئا من الْأَمْوَال غير الرباع، قَالَه
الدَّاودِيّ." اهـ
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(2/ 463):
"وفيه:
أن من حبس صدقة للمسلمين من وصية أو زكاة أو غيرها أنه يخاف عليه أن يحبس بها يوم
القيامة فى الموقف، لقوله عليه السلام: (كرهت أن يحبسنى) ، يعنى: فى الآخرة، والله
أعلم." اهـ
7/ فيه:
جَوَاز إسراع السُّلْطَان والعالم فِي حوائجهم والمبادرة إِلَيْهَا
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (22/ 260):
"وَفِيه:
جَوَاز إسراع السُّلْطَان والعالم فِي حوائجهم والمبادرة إِلَيْهَا." اهـ
8/ فيه:
فضل تَعْجِيل إِيصَال الْبر وَترك تَأْخِيره
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (22/ 260):
"وَفِيه:
فضل
تَعْجِيل إِيصَال الْبر وَترك تَأْخِيره." اهـ
9/ فيه: جواز انصراف الإمام قبل انصراف الناس
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(2/ 463):
"مباح
للإمام إذا سلم أن ينصرف إن شاء قبل انصراف الناس."
اهـ
10/
من وجب عليه فرض، فإن الأفضل له مبادرته
وقال أبو
الحسن علي بن خلف البكري، المعروف بـ"ابن بطَّال
القرطبي" (المتوفى: 449 هـ) _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري"
(2/ 464):
"وفيه:
أن من وجب عليه فرض، فإن الأفضل له مبادرته." اهـ
11/
فيه: بيان علو قدر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وبُعْدِهِ عن الدنيا
أحمد بن
إسماعيل الكوراني الحنفي (المتوفى 893 هـ) _رحمه
الله_ في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (2/ 471):
"وفيه:
ما يدلك على علو قدره وبعده عن الدنيا، _عليه من الصلاة أفضلُها، ومن التحيات
أزكاها_." اهـ
12/
في هذا الحديث: المبادرة إلى فعل الخير
وقال الشيخ العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 21_22):
"ففي هذا
الحديث: المبادرة إلى فعل الخير، وألا يتوانى الإنسان عن فعله، وذلك لأن الإنسان
لا يدري متى يفاجئه الموت؛ فيفوته الخير، والإنسان ينبغي أن يكون كيساً، يعمل لما
بعد الموت ولا يتهاون، وإذا كان الإنسان في أمور دنياه يكون مسرعاً، وينتهز الفرص،
فإن الواجب___عليه
في أمور أخراه: أن يكون كذلك بل أولى، قال الله _تعالى_:
(بَلْ
تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى: 16-19) ."
اهـ
13/
فيه: دليل على أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أسرعُ الناس مبادرةً إلى الخير
وقال الشيخ العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 22):
"وفي هذا
الحديث: دليل على أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أسرع الناس مبادرة إلى الخير،
أنه _عليه الصلاة والسلام_ محتاج إلى العمل؛ كما أن غيره محتاج إلى العمل؛ ولهذا
لما حدث فقال: (إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله) ، قالوا: لا أنت؟ قال: (ولا أنا إلا
أن يتغمد ني الله برحمته) ، هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام.
وفي هذا
الحديث: دليل على جواز تخطي الرقاب بعد السلام من الصلاة، ولا سيما إذا كان لحاجة،
وذلك لأن الناس بعد السلام من الصلاة ليسوا في حاجة إلى أن يبقوا في أماكنهم، بل
لهم الانصراف، بخلاف تخطي الرقاب قبل الصلاة، فإن ذلك منهي عنه؛ لأنه إيذاء للناس،
ولهذا قطع النبي صلى الله عليه وسلم خطبته يوم الجمعة حين رأى رجلاً يتخطى الرقاب،
فقال له: (أجلس فقد آذيت) ." اهـ
14/
وفي هذا الحديث: دليل على أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كغيره من البشر يلحقه
النسيان
وقال الشيخ العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 22):
وفي هذا
الحديث دليل على أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كغيره من البشر___يلحقه
النسيان، وأنه ينسى كما ينسى غيره،
وإذا كان صلى
الله عليه وسلم ينسى ما كان معلوماً عنده من قبل، فإنه كذلك من باب أولى يجهل ما
لم يكن معلوماً عنده من قبل، كما قال الله له : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي
خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ)
(الأنعام: 50)
فأمره الله أن
يعلن للملأ أنه ليس عنده خزائن الله؛ وأنه لا يعلم الغيب، وأنه ليس بملك _صلوات
الله وسلامه عليه_.
وفي هذا : قطع
السبيل على من يلتجئون إلى الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في مهماتهم وملماتهم،
ويدعونه، فإن هؤلاء من أعدائه، وليسوا من أوليائه؛ لأنه _عليه الصلاة والسلام_ لو
كان حياً لاستتابهم، فإن تابوا وإلا قتلهم؛ لأنهم مشركون،
فإن الإنسان
لا يجوز أن يدعو غير الله عز وجل؛ لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، وهو _عليه
الصلاة والسلام_ إنما جاء لحماية التوحيد وتحقيق عبادة الله،
فالنبي _صلى
الله عليه وسلم_ لا يعلم الغيب، وينسى ما كان قد علم من قبل، ويحتاج إلى الأكل
والشرب واللباس والوقاية من الأعداء، وقد ظاهر ـ بين درعين في غزوة أحد ـ يعني لبس
درعين ـ خوفاً من السلاح.
فهو كغيره من
البشر، جميع الأحكام البشرية تلحقه _عليه الصلاة والسلام_؛
ولهذا قال
الله له : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (الكهف: 110) ،
فتأمل وصفه
بأنه بشر مثلكم، لو لم يقل (مِثْلُكُمْ) لكفى، يعني : إذا قال : "إنما أنا
بشر"، علمنا بطريق القياس أنه بشر كالبشر، لكن قال (مِثْلُكُمْ) لا أتميز
عليكم بشيءٍ إلا بالوحي، (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ) الآية."
اهـ
15/
فيه: دليل على شدة الأمانة وعظمها
وقال الشيخ العثيمين
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 24):
"وفي هذا
الحديث أيضاً: دليل على شدة الأمانة وعظمها، وأن الإنسان إذا لم يبادر بأدائها
فإنها قد تحبسه، ولهذا قال: (فكرهت أن يحبسني)،
وإذا كان هذا
في الأمانة، فكذلك أيضاً في الدَّيْنِ؛ يجب على الإنسان أن يبادر بقضاء دينه إذا
كان حالاً، إلا أن يسمح له صاحب الدين فلا بأس أن يؤخر،
أما إذا كان
لم يسمح له؛ فإنه يجب عليه المبادرة لأدائه ن حتى إن العلماء _رحمهم الله_ قالوا :
"إن فريضة الحج تسقط على من عليه الدين؛ حتى يؤديه؛ لأن الدين أمره عظيم".
اهـ
16/
فيه: استحباب الاعتذار للإمام، أو غيره إلى أصحابه، إذا فعل فعلاً غير معهود لهم،
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (16/ 34_35):
"في
فوائده :
منها : ما
ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز انصراف الإمام بعد السلام، بدون أن
يجلس، وأن ما تقدّم من استحباب الجلوس بعد السلام محله إذا لم تعرض له حاجة، وإلا
فله الخروج، وإن أدّى ذلك إلى تخطي رقاب الناس، كما أن له أن يتخطّى الصفوف في حال
دخوله أيضًا، وأما غيره، فيُكره له ذلك.
قال الحافظ
ابن رجب رحمه الله تعالى: وظاهر كلام أحمد أنه يُكره للإمام أيضاً، قال إسحاق بن
هانىء: سألت أبا عبد الله عن الرجل يُصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من
رجلين، أفهو مُتَخَطٍّ؟ قال: نعم، وأَحَبْ إليّ أن يتنحّى عن القبلة قليلاً حتى
ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط، فهذا ليس بمتخطٍّ.
وظاهر هذا
كراهة تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك. انتهى
(1).
ومنها : أنه
يدلّ أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهل لم يكن من عادة النبي -صلى الله
عليه وسلم-، ولهذا تعجّبوا من سرعته في هذه المرة، وعَلم منهم ذلك، فلذا أعلمهم
بعذره.
ومنها:
استحباب الاعتذار للإمام، أو غيره إلى أصحابه، إذا فعل فعلاً غير معهود لهم، ورأى
منهم الاستغراب لذلك، لئلا تتغير خواطرهم عليه.
ومنها : أن التفكّر
في الصلاة في أمر لا يتعلق بالصلاة لا يفسدها، ولا ينقص من كمالها، وأن إنشاء
العزم في أثناء الصلاة على الأمور الجائزة لا يضرّ.
ومنها: جواز
الاستنابة في تفريق الصدقة مع القدرة على المباشرة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد
إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت، وإليه أنيب". اهـ
Komentar
Posting Komentar