شرح الحديث 87 (10- باب المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد) من رياض الصالحين

 

وأما الأحاديث:

 

[87] فالأولُ: عن أبي هريرة _رضي الله عنه_:

"أن رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ:

«بَادِرُوا بِالأعْمَال فتناً كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً. وَيُمْسِي مُؤمِناً، ويُصبحُ كَافِراً. يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا»، رواه مسلم.

 

ترجمة أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_:

 

واختلف فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن  ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن الأزد.

 

وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 366_367) للمزي:

"ويُقال: كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟ فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."

وذكر أَبُو القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 377):

"وَقَال عَمْرو بْن علي: نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم سنة سبع."اهـ

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 378):

"قال سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.

وَقَال أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين." اهـ

 

وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 561) للذهبي:

"قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ: ثمانُ مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.

قلت: روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370). في الصحيحين منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

فالأولُ: عن أبي هريرة _رضي الله عنه_:

أن رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأعْمَال فتناً

 

وقال الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف عن حقائق السنن" (11/ 3406):

"فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته." اهـ

 

وقال المناوي _رحمه الله_ في "فيض القدير" (3/ 193):

"(فتنا): جمع فتنة، وهي الاختبار، ويطلق على المصائب وعلى ما به الاختبار." اهـ

 

وقال أبو العباس القرطبي _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 89):

"ومقصودُ هذا الحديثِ: الحَضُّ على اغتنامِ الفُرْصة، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها، قَبْلَ هجومِ الموانع." اهـ

 

وقال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 388_389):

وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَّانَ، أَوِ الدَّجَالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» [م].

وَفِي " التِّرْمِذِيِّ " عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْظُرُونَ إِلَّا إِلَى فَقْرٍ مُنِسٍّ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» [صحيح: ت].

وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تَعُوقُ عَنِ الْأَعْمَالِ، فَبَعْضُهَا يَشْغَلُ عَنْهُ، إِمَّا فِي خَاصَّةِ الْإِنْسَانَ، كَفَقْرِهِ وَغِنَاهُ وَمَرَضِهِ وَهَرَمِهِ وَمَوْتِهِ، وَبَعْضُهَا عَامٌّ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَكَذَلِكَ الْفِتْنُ الْمُزْعِجَةُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ»،

وَبَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ لَا يَنْفَعُ بَعْدَهَا عَمَلٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] [الْأَنْعَامِ: 158] .

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسَا إِيمَانِهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» .

وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

«ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ»." اهـ

 

وقال الشيخ العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 16_17):

"والمراد: الأعمال الصالحة؛ والعمل الصالح ما بني على أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وهذا تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن___محمد رسول الله، فالعمل الذي ليس بخالص ليس بصالح." اهـ

 

كقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً،

 

[تعليق]:

قال أبو العباس القرطبي _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 89):

وقوله: (بَادِرُوا بِالأْعْمَالِ فِتَنًا)،

أي: سَابِقُوا بالأعمالِ الصالحةِ هجومَ المِحَنِ المانعةِ منها، السالبةِ لشرطها المصحِّح لها الإيمان؛ كما قال:

(يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا)،

ولا إحالةَ ولا بُعْدَ في حمل هذا الحديثِ على ظاهره؛ لأنَّ المِحَنَ والشدائد إذا توالَتْ على القلوب، أفسدَتْهَا بِغَلَبتها عليها، وبما تُؤَثِّرُ فيها مِنَ القَسْوة والغَفْلة التي هي سببُ الشِّقْوة." اهـ

 

وَيُمْسِي مُؤمِناً ويُصبحُ كَافِراً،

 

[تعليق]:

وقال محمد بن علي بن حسين المالكي (المتوفى 1367 هـ) _رحمه الله_ في "تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية" (4/ 223)[1]:

"وَفَسَّرَ ذَلِكَ الْحَسَنُ قَالَ: (يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ. وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ، كَأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [خ م]،وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."

 

يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا» رواه مسلم.

 

[تعليق]:

 

وفي "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 89) لأبي العباس القرطبي:

"وقوله: (يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)

عَرَضُ الدنيا (بفتح العين، والراءِ): هو طمعها وما يَعْرِضُ منها، ويدخُلُ فيه جميعُ المال؛ قاله الهَرَوِيُّ. فأمَّا العَرْضُ (بإسكان الراء)، فهو خلافُ الطُّول، ويقالُ على أمور كثيرة. والعِرْضُ (بكسر العين، وسكون الراء): هو نسَبُ الرجلِ وحَسَبُهُ وذاتُهُ." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، الشهير بـ"ابْنِ الْحَاجِّ" (المتوفى: 737 هـ) _رحمه الله_ في "المدخل" (2/ 162):

"وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ فَقَدْ بَاعَ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا." اهـ

 

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 110) (رقم : 118)، والترمذي في "سننه" (4/ 487) (رقم : 2195)، وأحمد في "مسنده" (13/ 400) (رقم : 8030)[2]، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (11/ 396) (رقم : 6515)، وابن حبان في "صحيحه" (15/ 96) (رقم : 6704)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: انظر تخريجه وشواهده في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/ 386) (رقم : 758) للألباني _رحمه الله_.

 

من فوائد الحديث :

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (2/ 89):

"ومقصودُ هذا الحديثِ: الحَضُّ على اغتنامِ الفُرْصة ، والاِجتهادُ في أعمالِ الخيرِ والبِرِّ عند التمكُّنِ منها ، قَبْلَ هجومِ الموانع." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"

 (2/ 89) لأبي العباس القرطبي :

"ومقصودُ هذا الحديثِ: الأمرُ بالتمسُّك بالدِّين ، والتشدُّدُ فيه عند الفتن ، والتحذيرُ مِنَ الفتنِ ومِنَ الإقبالِ على الدنيا وعلى مَطَامِعِهَا." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (2/ 133):

مَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا الْمُقْمِرِ.

وَوَصَفَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ نَوْعًا مِنْ شَدَائِدِ تِلْكَ الْفِتَنِ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا، ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا، أَوْ عَكْسُهُ، شَكَّ الرَّاوِي. وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ يَنْقَلِبُ الْإِنْسَانُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الِانْقِلَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ[3]

 

وقال عِيَاضُ بْنُ مُوْسَى الْسَّبْتِيُّ، المعروف بـ"القاضي عياض اليَحْصَبِيّ" (المتوفى: 544 هـ) _رَحِمَهُ اللهُ_ في "إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ" (1/ 405):

"وفائدة المبادرة بالعمل: إمكانه قبل شغل البال والحشد بالفتن، وقطعها عن العمل." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (8/ 163_164) :

"في هذا الحديث من الفقه: الحث على مبادرة الفتن بالأعمال، فإن من الفتن ما يعرض للقلوب فتصبح مؤمنة وتمسي كافرة في تلك الفتنة، فتثبط العامل عن عمله، أو بعمله ما يعمل على ارتياب وشك؛ فلا ينفعه عمله،

وهذه الفتن قد يكون فيها ما يعم الناس. وقد يكون فيها ما يخص، وأن منها الكلمة الخبيثة؛ التي يقذفها الشيطان على لسان ولي من أولياء الشيطان ليقولها، إما جادا أو هازلا، ليسمعها الضعيف القلب فيفتنن بها؛ الفتنة التي لا يخلص منها إلى يوم القيامة؛

لأن القلوب كثيرة التقلب من ربقة الحق، شديدة التطلع إلى منافذ الضلال،

فإذا قذف في روعها شيء من المضللات وجد عندها داء قاتلا وشرا مستعدا، كالنار التي تقع في الخراق، فينبغي للإنسان أن يكون أشد خوفا وحذرا على دينه وإيمانه، متعاهدا له بالذكر___ومدارسة القرآن، وامتثال أمر القرآن بالنظر والتدبر والفكر المؤدي له إلى الحق صباح مساء؛ بل في كل وقت ونفس وساعة." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 83):

"في هذا الحديث: الحث على اغتنام الأعمال الصالحة قبل ظهور ما يمنعها." اهـ

 

وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (5/ 351):

"ستأتي فتنٌ شديدة كالليل المظلم لا يعرفُ أحدٌ سببَهَا، ولا يُعْرَفُ طريقُ الخلاص منها، فتعجَّلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيئها، فإنكم لا تطيقون الأعمال الصالحة إذا أتتكم الفتن.

يكفرُ كثيرٌ من المسلمين بالله في تلك الفتن، والفتن التي يكفر المسلم فيها تحتمل احتمالات:

أحدها: أن تكون بين طائفتين مسلمَتَيْن حربٌ، فتستحلُّ كلُّ واحدةٍ من الطائفتين مالَ الأخرى ودمَها بالتعصب والغضب، فيكفرون باستحلالهم أموالَ المسلمين ودمائَهم.

والاحتمال الثاني: أن يغلب الكفارُ على بلاد المسلمين، ويكون ملوكُ بلادهم كفارًا، فيأمرون الرعيَّةَ بالارتداد عن الإسلام إلى الكفر، وربما يرتدُّ المسلمُ لطلبِ جَاهٍ ومَالٍ منهم من غير أن يطلبوا منه الكفر.___

والاحتمال الثالث: أن يكونَ ملوكُ بلاد المسلمين مسلمين، ولكن يغلبُ عليهم الظلمُ والفسقُ، فيريقونَ دماءَ المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حق، ويزنون، ويشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعتقد بعضُ الناس أنهم على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات،

وربما يغضبُ الملكُ على أحد من الرعيَّةِ، ويأمر الناس بقتله، أو بأخذ ماله، فيعتقدُ بعض الناس كَوْنَ أمره حقًا، وربما يأمر بصلبِ السَّارق، فيعتقد الناسُ جوازَهُ، فيكفرون به، لأن حدَّ السَّارقِ القَطْعُ، لا الصَّلْبُ." اهـ

 

فيض القدير (3/ 193_194):

"قال في المطامح: "هذا وما أشبهه من أحاديث الفتن من جملة معجزاته الاستقبالية التي أخبر أنها ستكون بعده وكانت وستكون وقد أفردها___جمع بالتأليف." اهـ

 

لعله: "مطامح الإفهام" للقاضي عياض اليحصبي.

 

وفي "صحيح ابن حبان" (15/ 96):

"ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ مِنْهَا." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (2/ 298):

"وفي الحديث إشارة إلى تتابع الفتن المضلة أواخر الزمان، وكلما انقضى منها فتنة أعقبتها أخرى. وقانا الله من الفتن بمنه وكرمه." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 17_18):

"أخبر أنه ستوجد فتن كقطع الليل المظلم ـ نعوذ بالله ـ يعني أنها مدلهمة مظلمة؛ لا يرى فيها النور - والعياذ___بالله -، ولا يدري الإنسان أين يذهب؛ يكون حائراً، ما يدري أين المخرج، أسأل الله أن يعيذنا من الفتن.

والفتن: منها ما يكون من الشبهات، ومنها ما يكون من الشهوات،

ففتن الشبهات: كل فتنة مبنية على الجهل،

ومن ذلك ما حصل من أهل البدع الذين ابتدعوا في عقائدهم ما ليس من شريعة الله، أو أهل البدع الذين ابتدعوا في أقوالهم وأفعالهم ما ليس من شريعة الله، فإن الإنسان قد يفتن ـ والعياذ بالله ـ فيضل عن الحق بسبب الشبهة.

ومن ذلك أيضاً: ما يحصل في المعاملات من الأمور المشتبهة التي هي واضحة في قلب الموقن، مشتبهة في قلب الضال والعياذ بالله، تجده يتعامل معاملة تبين أنها محرمة، لكن لما على قلبه من رين الذنوب ـ نسأل الله العافية ـ يشتبه عليه الأمر، فيزين له سوء عمله، ويظنه حسناً،

وقد قال الله في هؤلاء:

(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا ً) (الكهف: 103، 104)

فهؤلاء هم الأخسرون والعياذ بالله.

وتكون الفتن ـ أيضاً ـ من الشهوات، بمعنى أن الإنسان يعرف أن هذا حرام، ولكن لأن نفسه تدعوه إليه فلا يبالي النبي صلي الله عليه وسلم بل يفعل الحرام، ويعلم أن هذا واجب، لكن نفسه تدعوه للكسل فيترك هذا الواجب، هذه فتنة شهوة، يعني فتنة إرادة،

ومن ذلك أيضاً ـ بل من أعظم ما يكون ـ فتنة شهوة الزنا أو اللواط والعياذ بالله، وهذه من أضر ما يكون على هذه الأمة." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 20)

"المهم أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حذرنا من هذه الفتن التي هي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسي كافراً، والعياذ بالله. يوم واحد يرتد عن الإسلام، يخرج من الدين، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً. نسأل الله العافية.

لماذا؟ (يبيع دينه بعرض من الدنيا).

ولا تظن أن العرض من الدنيا هو المال، كل متاع الدنيا عرض، سواء مال، أو جاه أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع فإنه عرض، كما قال تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء: 94) فما في الدنيا كله عرض." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "الضياء اللامع من الخطب الجوامع" (8/ 629):

"احذروا فتنة العقيدة الباطلة والآراء المنحرفة والأخلاق السافلة، واحذروا كل فتنة في القول أو في الفعل فإن الفتن أوبئة فتاكة سريعة الانتشار إلى القلوب والأعمال إلى الجماعة والأفراد، فتصيب الصالح والطالح في آثارها وعقوباتها. فلقد حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته من الفتن." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (3/ 422_423)

في فوائده:

1 - (منها): الحثّ على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما يَحدُث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة، كتراكم ظلام الليل المظلم لا الْمُقْمِر.

2 - (ومنها): أنه - صلى الله عليه وسلم - وصف نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يُمسي الشخص مؤمنًا، ثم يُصبح كافرًا أو عكسه، وهذا لعِظَم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب.

3 - (ومنها): بيان حرص النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أمته، حيث يحثّهم على الإكثار من الطاعات قبل أن تمنعهم الفتن الشاغلة، ويخوّفهم من تأخير الطاعات المتيسّرة؛ إذ لا يدري العبد ماذا يحدث بعد وقته الذي هو فيه، فما أكثر المرض بعد الصحّة، والفقر بعد الغنى! ، وما أسرع الشيب بعد الشباب، والشغل بعد الفراغ! .

وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل، وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتك، قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك"، وقال: صحيح على شرطهما، وهو كما قال.

وقد نُقل عن السلف آثار كثيرة في شدّة حرصهم على المبادرة بالأعمال، فقد اجتهد أبو موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - قبل موته، فقيل له: لو رفقت بعض الرفق، قال: الخيل إذا وافت رأس المجرى أخرجت ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ، وقال سُحيم مولى بني تيم: جلستُ إلى عامر بن عبد الله، وهو يُصلّي، فأوجز في صلاته، ثم أقبل، وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر، فقلت: من؟ قال: ملكَ الموت، فقمتُ عنه، وقام إلى الصلاة، وسأل رجل___داود الطائيّ عن حديث، فقال: دعني، فإني أبادر خروج نفسي [راجع: "شرح الأبيّ" (1/ 226 – 227)].

4 - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر - صلى الله عليه وسلم - بما سيقع في أمته من الفتن.

5 - (ومنها): أن في حثّه - صلى الله عليه وسلم - بالأعمال الصالحة قبل أيام الفتن فوائد:

[منها]: انتهاز الفرصة قبل فواتها.

[ومنها]: حصول قوّة إيمان العبد بسبب الأعمال الكثيرة، فيستطيع أن يُدافع بقوته ما يواجهه من شدائد الفتن؛ ومن كان ضعيف الإيمان لا يقدر على ذلك، بل تتلاعب به الفِتَن كما تتلاعب الريح بالخيط المعلّق في الهواء.

[ومنها]: أن من اعتاد الأعمال الصالحة إذا حيل بينه وبينها يُكتب له ما كان يعمله قبل أن يمنع منه،

فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" (2996)، من حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مَرِض العبد، أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا".

وأخرجه أبو داود في "سننه" (2687)، بلفظ: "إذا كان العبد يعمل عملًا صالحًا، فشغله عنه مرضٌ، أو سفرٌ، كُتب له كصالح ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم".

6 - (ومنها): أنه ينبغي للمؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة، وفعل الحسنات ما وجد إلى ذلك سبيلًا، قبل فوات أوانها، وتغلق أبوابها، فيقع في الندم كما يقع من يقول: {يَاحَسْرَتَا} [الزمر: 56]، أو يقول: لو أن لي عمرًا لأكونن من العاملين العابدين، أو يقول: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].

7 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: مقصود هذا الحديث الأمر بالتمسّك بالدين، والتشدّد فيه عند الفتن، والتحذير من الفتن، ومن الإقبال على الدنيا، وعلى مطامعها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ

 



[1] طبع مع "أنوار البروق في أنواء الفروق" للقرافي، و إدرار الشروق على أنوار الفروق لابن الشاط

[2] وأخرجه أحمد في موضع آخر (16/ 450) (رقم : 10772)

[3] وفي التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 429) للمناوي : "وَالْمرَاد : الْحَث على الْعَمَل الصَّالح قبل تعذره أَو تعسره بِمَا يحدث من الْفِتَن المتراكمة كتراكم ظلام اللَّيْل." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ