شرح الحديث 174-175 من صحيح الترغيب

 

6 - (الترهيب من تأخير الغُسل لغير عذر)


174 - (2) [صحيح] وعند البزار بإسناد صحيح عن ابن عباس [عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] (2) قال:

"ثلاثةٌ لا تقرَبهُم الملائكة: الجنبُ، والسكرانُ، والمتَضَمِّخُ بالخَلوق (3) ".

__________

(2) سقطت من الأصل وغيره، واستدركتها من "زوائد البزار" و"مجمع الزوائد".

(3) (الخَلوق): طيب مركّب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة بإباحته، وتارة بالنهي عنه، والنهي أكثر وأثبت؛ وإنما نهى عنه لأنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالاً له منهم.

قال الحافظ ابن الأثير: "والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة" اهـ، و (التضمخ): التلطخ به.

 

ترجمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-

 

قال المزي في تهذيب الكمال  :

( خ م د ت س ق ) : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشى الهاشمى ، أبو العباس المدنى، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم_.

كان يقال له (الحبر)، و(البحر)، لكثرة علمه ، دعا له النبى صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين .

 

وفي صحيح البخاري (1/ 41) (رقم : 143)، و صحيح مسلم (4/ 1927) (رقم : 2477) : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ : (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)»

 

مصنف ابن أبي شيبة (6/ 383) (رقم : 32220) : عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود قال : «نِعْمَ، تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ»

 

ولد فى الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين .

 

و قال غير واحد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : توفى النبى صلى الله عليه وسلم ، وأنا ابن عشر سنين .

 

الأعلام للزركلي (4/ 95)

وكف بصره في آخر عمره، فسكن الطائف، وتوفي بها. له في الصحيحين وغير هما 1660 حديثا.

 

و قال أبو نعيم ، و أبو بكر بن أبى شيبة ، و يحيى بن بكير فى آخرين : مات سنة ثمان و ستين (68) هـ.

 

زاد يحيى : وهو ابن إحدى أو اثنتين و سبعين (72 سنة)، و صلى عليه محمد ابن الحنفية ،

 

و قال : اليوم مات ربانى هذه الأمة ، و مات بالطائف .

و قيل : مات سنة تسع و ستين ، و قيل : مات سنة سبعين .

و مناقبه و فضائله كثيرة جدا .

روى له الجماعة . اهـ .

 

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البزار كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" (3/ 355) (رقم: 2930)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (4/ 96)

 

وقال الهيثمي _رحمه الله_ في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (5/ 72):

"رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، خَلَا الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ." اهـ

 

وقال أبو سليمان جاسم بن سليمان حمد الفهيد الدوسري _حفظه الله_ في "الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام" (3/ 289) تحت (رقم: 1065):

"قال المنذري في "الترغيب" (1/ 148): "إسناده صحيح". أهـ. وهو كما قال." اهـ

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (4/ 417) (رقم: 1804)، صحيح الترغيب والترهيب (1/ 184 و 2/ 603) (رقم: 174 و 2374)

 

وقال أبو العباس "البوصيري" (المتوفى: 840 هـ) _رحمه الله_ في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (6/ 99):

"قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ:

وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ هُنَا هُمُ الَّذِينَ يَتَنَزَّلُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ دُونَ الْحَفَظَةِ، فَإِنُّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ،

ثُمَّ قِيلَ: فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ أَخَّرَ الْغُسْلَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلِعُذْرٍ إِذَا أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ تَهَاونًا وَكَسَلًا وَيَتَّخِذُ ذَلِكَ عَادَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

شرح الحديث وفوائده قد مر بنا في الحديث السابق، ولله الحمد والمنة.

  

7 - (الترغيب في الوضوء وإسباغه)

 

175 - (1) [صحيح] عن ابن عُمَر [عن أبيه] (1) رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سؤال جبرائيل إياه عن الإسلام، فقال:

"الإسلامُ أنْ تَشهدَ أن لا إله إلا اللهَ، وأنّ محمداً رسولُ اللهِ، وأنْ تقيِمَ الصلاةَ، وتُؤتِيَ الزكاةَ، وتَحجَّ وتَعتَمِرَ، وتَغتسلَ من الجنابةِ، وأن تُتِمَّ الوُضوءَ، وتصومَ رمضانَ".

قال: فإذا فعلتُ ذلك، فأنا مسلم؟ قال: "نعم". قال: صَدَقْتَ.

رواه ابن خزيمة في "صحيحه" هكذا، وهو في "الصحيحين" وغيرهما بنحوه بغير هذا السياق.

__________

(1) سقطت من الأصل، وكذا المخطوطة وغيرها، وإثباتها ضروري؛ فإن الحديث عند ابن خزيمة (رقم: 1) وغيره،

ورواه ابن حبان (رقم: 16) عن ابن خزيمة من طريق سليمان التيمي عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر.

وكذلك أخرجه الدارقطني في "سننه" (ص 281)، وقال: "إسناد صحيح ثابت، أخرجه مسلم بهذا الإسناد".

قلت: لكن مسلماً (1/ 30) لم يسق لفظه، وإنما أحال به على حديث عبد الله بن بُريدة عن يحيى به،

وليس فيه ذكر العمرة والغسل والوضوء. ثم إن المؤلف عزى الحديث بنحوه لـ "الصحيحين"، وهو فيهما من حديث أبي هريرة، لا من حديث عمر، وإنما رواه مسلم وحده عن ابن بريدة كما ذكرنا نحو هذا، وسيأتي بعضه في "الترغيب في الصلوات الخمس".

ثم رأيت الشيخ الناجي قد أطال الكلام في تخريج الحديث، وبيان وهم المؤلف -رحمه الله- في جعله إياه من مسند ابن عمر (28 - 30)، وفي عزوه لـ "الصحيحين"، ولم يتنبّه المعلقون لبيانه للوهم الأول، ولذلك لم يستدركوا الزيادة!!

 

نص الحديث وشرحه:


ففي "صحيح ابن خزيمة" (1/ 3) (رقم: 1):

عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ:

قُلْتُ: - يَعْنِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنْ لَيْسَ قَدَرٌ) قَالَ: "هَلْ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ؟" قُلْتُ: "لَا"

قَالَ: "فَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي إِذَا لَقِيتَهُمْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْهُ."

ثُمَّ قَالَ:

حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ:

"بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي أُنَاسٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ سَفَرٍ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ يَتَخَطَّى حَتَّى وَرَدَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ:

"يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ؟"

قَالَ: «الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَأَنْ تُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ».

قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: "صَدَقْتَ."

«وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ»

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 3 و 4/ 356) (رقم: 1 و 3065)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (1/ 27) (رقم: 4)، وأبو عبد الله ابن منده في "الإيمان" (1/ 146_147) (رقم: 13_14)، وابن حبان البستي في "صحيحه" (1/ 397) (رقم: 173)، والدارقطني في "سننه" (3/ 341) (رقم: 2708)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (6/ 1230) (رقم: 2180)، وأبو نعيم الأصبهاني في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (1/ 102) (رقم: 82)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 570) (رقم: 8755)، شعب الإيمان (5/ 440) (رقم: 3687)، الاعتقاد للبيهقي (ص: 206)، و"السنن الصغير" (1/ 12) (رقم: 10)، و"المدخل إلى السنن الكبرى" (ص: 234) (رقم: 315)، وأبو جعفر ابن البختري في "المجموع" (ص: 456) (رقم: 729)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (1/ 302).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (1/ 102) (رقم: 16)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (1/ 262) (رقم: 173)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 185 و 2/ 5) (رقم: 175 و 1101)،

 

من فوائد الحديث:

 

وقال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ) _رحمه الله_ في "الحاوي الكبير" (4/ 33):

"باب: بيان أن العمرة واجبة كالحج

قال الشافعي رضي الله عنه:

"قَالَ اللَّهُ _جَلَّ ذِكْرُهُ_: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]،

فَقَرَنَ الْعُمْرَةَ بِهِ، وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ القرآن أن تكون العمرة واجبةً.

واعتمر النبي _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم_ قبل الحج،

ومع ذلك: قول ابن عباس:

(والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196])،

وعَنْ عَطاء قال: (ليس أحد من خلْقِ الله، إلا وعليه حَجَّة وعمرةٌ واجبتانِ)." اهـ

 

وقال ابن هبيرة _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (1/ 199_200):

* وفيه أيضًا: أن من توفيق السائل إذا سأل في ملأ أن يسأل عن مسألة تعمه وتعم الحاضرين، كما سأل جبريل فقال: ما الإسلام؟ فلما أخبره بأركانه قال:___صدقت، وقد كان ذلك من الله سبحانه وتعالى في تثبيت قلوب المسلمين حتى استنفذ المسائل وإلا فتصديقه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد سؤاله إياه دليل واضح في أنه لم يسأله عن جهل وإنما سأله ليعلم.

* وفي هذا أيضًا من الفقه: أن من طرق التعليم أن يسأل العالم من مسألة وهو يعرفها ليجاب عنها بمشهد غيره فيتعلم تلك المسألة من لم يعلمها.

* وفيه أيضًا من الفقه: أن الإيمان درجة ومقام في الإسلام، وأنه لا يوصف بالألف واللام اللتين للتعريف إلا أن يكون إيمانًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره.

* وفيه أيضًا من الفقه: أن الإسلام والإيمان إذا حصل لعبد اقتضيا درجة الإحسان، وهو استشعار قرب الله تعالى من عبده وأن يعبده كأنه يراه، وإن لم يقو على تلك الرتبة فليعبده، معتقدًا أن الله تعالى يراه." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله" (ص: 17):

"في حديث جبريل: دليلٌ على أنَّ الملائكةَ تأتي إلى البشر على شكل البشر، ومثل ذلك ما جاء في القرآن من مجيءِ جبريل إلى مريم في صورة بشر، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوط في صورة بشر،

وهم يتحوَّلون بقدرة الله _عزَّ وجلَّ_ عن الهيئة التي خُلقوا عليها إلى هيئة البشر، وقد قال الله _عزَّ وجلَّ_ في خلق الملائكة:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} [فاطر: 1]،

وفي صحيح البخاري (4857)، ومسلم (280): أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح. اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله" (ص: 17):

"في مجيء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلوسه بين يديه بيانُ شيءٍ من آداب طلبة العلم عند المعلِّم، وأنَّ السائلَ لا يقتصر سؤاله على أمور يجهل حكمها، بل ينبغي له أن يسأل غيره وهو عالم بالحكم ليسمع الحاضرون الجواب، ولهذا نسب إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث التعليم، حيث قال: "فإنَّه جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، والتعليم حاصل من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّه المباشر له، ومضاف إلى جبريل؛ لكونه المتسبِّب فيه.

 

وقال شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله" (ص: 18):

ولفظَا الإسلام والإيمان من الألفاظ التي إذا جُمع بينها في الذِّكر فُرِّق بينها في المعنى، وقد اجتمعا هنا، ففُسِّر الإسلام بالأمور الظاهرة، وهي مناسبة لمعنى الإسلام، وهو الاستسلام والانقيادُ لله تعالى، وفسِّر الإيمان بالأمور الباطنة، وهي المناسبة لمعناه، وهو التصديق والإقرار، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر شمل المعنيين جميعاً: الأمور الظاهرة والباطنة، ومن مجيء الإسلام مفرداً قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، ومن مجيء الإيمان مفرداً قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، ونظير ذلك كلمتَا الفقير والمسكين، والبر والتقوى وغير ذلك.

وأوَّل الأمور التي فُسِّر بها الإسلام شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وشهادة أنَّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاتان الشهادتان متلازمتان، وهما لازمتان لكلِّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فمَن لم يؤمن به صلى الله عليه وسلم كان من أصحاب النار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (240) .

وشهادة أن لا إله إلاَّ الله معناها لا معبود حقٌّ إلاَّ الله، وكلمة الإخلاص تشتمل على ركنين: نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، ففي أوَّلها نفي العبادة عن كلِّ من سوى الله، وفي آخرها إثبات العبادة لله وحده لا شريك له، وخبر"لا"النافية للجنس تقديره"حق"، ولا___يصلح أن يُقدَّر"موجود"؛ لأنَّ الآلهة الباطلة موجودةٌ وكثيرة، وإنَّما المنفيُّ الألوهية الحقَّة، فإنَّها منتفيَةٌ عن كلِّ من سوى الله، وثابتة لله وحده.

ومعنى شهادة أنَّ محمداً رسول الله، أن يُحبَّ فوق محبَّة كلِّ محبوب من الخلق، وأن يُطاع في كلِّ ما يأمر به، ويُنتهى عن كلِّ ما نهى عنه، وأن تُصدَّق أخباره كلُّها، سواء كانت ماضيةً أو مستقبلةً أو موجودةً، وهي غير مشاهدة ولا معاينة، وأن يُعبد الله طبقاً لِمَا جاء به من الحقِّ والهدى.

وإخلاصُ العمل لله واتّباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هما مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وكلُّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا بدَّ أن يكون خالصاً لله ومطابقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فُقد الإخلاصُ لم يُقبل العمل؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" رواه مسلم (2985) ، وإذا فُقد الاتِّباع رُدَّ العمل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري (2697) ، ومسلم (1718) ، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وهذه الجملة أعمُّ من الأولى؛ لأنَّها تشمل مَن فعل البدعة وهو مُحدثٌ لها، ومَن فعلَها متابعاً لغيره فيها.

وستأتي الإشارة إلى شيء مِمَّا يتعلَّق بالصلاة والزكاة والصيام والحج في حديث ابن عمر: "بُني الإسلام على خمس"، وهو الحديث الذي يلي هذا الحديث.

 

فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله (ص: 28)

مِمَّا يُستفادُ من الحديث:

1 أنَّ السائلَ كما يسأل للتعلُّم، فقد يسأل للتعليم، فيسأل مَن عنده علم بشيء من أجل أن يسمع الحاضرون الجواب.

2 أنَّ الملائكةَ تتحوَّل عن خِلقتِها، وتأتي بأشكال الآدميِّين، وليس في هذا دليل على جواز التمثيل الذي اشتهر في هذا الزمان؛ فإنَّه نوعٌ من الكذب، وما حصل لجبريل فهو بإذن الله وقدرته.

3 بيان آداب المتعلِّم عند المعلِّم.

4 أنَّه عند اجتماع الإسلام والإيمان يُفسَّر الإسلام بالأمور الظاهرة، والإيمان بالأمور الباطنة.

5 البدء بالأهمِّ فالأهمِّ؛ لأنَّه بُدىء بالشهادَتين في تفسير الإسلام، وبدىء بالإيمان بالله في تفسير الإيمان.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ