شرح الحديث 79 (باب بيان آداب الحاجة) من بلوغ المرام
|
79 - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ _رضي
الله عنه_، قَالَ: "قَالَ لِي رَسُولُ الله _صلى الله عليه وسلم_: (خُذِ الْإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي،
فَقَضَى حَاجَتَهُ)" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ |
ترجمة المغيرة بن شعبة _رضي الله عنه_:
الأعلام للزركلي (7/ 277):
"المُغِيرَة بن شُعْبَة (20 ق هـ - 50 هـ = 603 - 670 م)
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثَّقَفي، أبو عبد الله: أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم.
صحابي. يقال له (مغيرة الرأي) . ولد في الطائف (بالحجاز)، وبرحها في الجاهلية مع جماعة من بني مالك، فدخل الإسكندرية وافدا على المقوقس، وعاد إلى الحجاز.
فلما ظهر الإسلام تردد في قبوله إلى أن كانت سنة 5 هـ فأسلم. وشهد الحديبيّة واليمامة وفتوح الشام. وذهبت عينه باليرموك. وشهد القادسية ونهاوند وهمدان وغيرها.
وولاه عمر بن الخطاب على البصرة، ففتح عدة بلاد، وعزله، ثم ولاه الكوفة. وأقره عثمان على الكوفة ثم عزله.
ولما حدثت الفتنة بين علي ومعاوية اعتزلها المغيرة،
وحضر مع الحكمين. ثم ولاه معاوية الكوفة فلم يزل فيها إلى أن مات.
قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية للأناة، وعمرو بن العاص للمعضلات، والمغيرة للبديهة، وزياد بن أبيه للصغير والكبير.
وللمغيرة 136 حديثا. وهو أول من وضع ديوان البصرة، وأول من سلم عليه بالإمرة في الإسلام." اهـ
نص الحديث وشرحه:
وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ _رضي الله عنه_، قَالَ:
"قَالَ لِي رَسُولُ الله _صلى الله عليه وسلم_:
(خُذِ الْإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ)" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
صحيح مسلم (1/ 229)
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
سَفَرٍ فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ خُذِ الْإِدَاوَةَ»
فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي،
«فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ
جَاءَ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ
يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا،
فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى
خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى»
وفي "صحيح البخاري"
(7/ 144):
عن المُغِيرَةِ، رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي
سَفَرٍ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ» قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ
رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ،
ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ
عَلَيْهِ الإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ
صُوفٍ،
فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ
يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الجُبَّةِ،
فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ
مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»
فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا
وفي "صحيح مسلم"
(1/ 317):
أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ
شُعْبَةَ «أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ»،
قَالَ الْمُغِيرَةُ «فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ
مِنَ الْإِدَاوَةِ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ،
ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ،
فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ
الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى
خُفَّيْهِ»، ثُمَّ أَقْبَلَ.
قَالَ الْمُغِيرَةُ
«فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ
بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ
الْآخِرَةَ،
فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ،
فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ.
فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ» ثُمَّ قَالَ:
«أَحْسَنْتُمْ» أَوْ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ» يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا
الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا." اهـ
وفي "صحيح مسلم"
(1/ 230):
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، قَالَ:
تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ
قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، «فَغَسَلَ
كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ
الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى
الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ،
وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ،
وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ،
ثُمَّ رَكِبَ
وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا
إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ، يُصَلِّي
بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً،
فَلَمَّا أَحَسَّ
بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ
إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا»
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (1/ 81 و 4/ 41
و 7/ 143_144) (رقم: 363 و 2918 و 5798_5799)، ومسلم (1/ 228/ 75_80) (274)، وأبو
داود (1/ 37) (رقم: 149)، والنسائي (1/ 63) (رقم: 82)
من
فوائد الحديث:
قال عبد الله بن عبد الرحمن
البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 332):
"فوائد الحديث:
1 - استحبابُ البعد
والتواري عن النَّاس، عند إرادة قضاء الحاجة.
2 - أمَّا
سَتْرُ العورة عن النَّاس، فواجب؛ لتحريم كشفها إلاَّ في مواضع خاصَّة.
3 - استحبابُ
إعداد إداوة طهارة الإنسان عند إرادته قضاءَ الحاجة؛ ليقطَعَ الخارج عنه بدون
طلبه، بعدي الفراغ من قضاء الحاجة.
4 - جوازُ
الاقتصار في الاستنجاء على الماء دون الحجارة؛ فلم يذكُرْ في الحديث، إلاَّ
الإداوةَ، ولو كان هناك حجارةٌ، لَذَكَرَها.
5 - جوازُ
الاستعانة بغيره على إحضار أدوات طهارته، وتقريبها منه.
6 - جوازُ
اتخاذِ الخادمِ، ولو كان حُرًّا.
7 - حياءُ
النَّبي _صلى الله عليه وسلم_ وكمالُ خُلُقه، وبعدُهُ عمَّا يُسْتَحْيَا منه، وهو
قدوةٌ لكلِّ مسلم _صلى الله عليه وسلم_." اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في
"شرح رياض الصالحين" (4/ 277_278):
"وهذا من
كمال الأدب، أنك إذا أردت أن تقضي حاجتك فابعد عن الناس حتى تتوارى عنهم، لا من أجل
ألاَّ يروا عورتك، لأن ستر العورة واجب، ولا يجوز أن تتكشف أمام الناس، لكن هذا فوق ذلك، يعني: الأفضل ألا يرى الإنسانَ، وهو
على حاجته.
وهذا من هدي النبي _صلى الله
عليه وسلم_ لأن هديه أكمل الهدى، ثم أراد أن يتوضأ، وكان عليه جبةٌ من صوفٍ ضيقةِ
الأكمام___لبِسها _عليه الصلاة والسلام_، لأن الوقت كان باردا، لأن تبوك قريبةٌ من
الشامِ باردةٌ، فلذلك كان عليه هذه الجبة _عليه الصلاة والسلام_." اهـ
وقال ابن رجب _رحمه الله_ في
كتابه "فتح الباري" (2/ 378):
"وفي
حديثه: (وعليه جبة من صوف) .
وفيه من الفقه:
* جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم.
* وجواز الصلاة في الصوف،
* وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج
يديه منه عند الوضوء، إذا أخرج يديه من أسفله." اهـ
وقال العيني _رحمه الله_ في
"عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (4/ 71)
وَفِيه:
* جَوَاز أَمر الرئيس غَيره
بِالْخدمَةِ،
* والتستر عَن أعين النَّاس
عِنْد قَضَاء الْحَاجة،
* والإعانة على الْوضُوء،
وَالْمسحِ على الْخُف. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الْمسْح على
الْخُفَّيْنِ.
وقال ابن بطال _رحمه الله_ في
"شرح صحيح البخاري" (2/ 25):
"فيه من
الفقه: إباحة لبس ثياب المشركين؛ لأن الشام كانت ذلك الوقت دارَ كفْرٍ، وكان ذلك
فى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وكانت ثيابُ
المشركين ضيقةَ الأكمامِ." اهـ
وقال ابن سيد الناس في "النفح
الشذي شرح جامع الترمذي" – ط. الصميعي (1/ 234):
"في هذا
الحديث: استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن أعين الناس، والاستتار عن أعين الناظرين."
اهـ
وقال العثيمين _رحمه الله_ في
"فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/
289_290):
"في هذا
الحديث فوائد:
* منها: جواز
استخدام الأحرار، دليله: أن الرسول استخدم المغيرة بن شعبة.
* ومن
فوائده: أن أمر
الخادم بالشيء لا يعد سؤالا مذموما، فقول الرسول للمغيرة: "خذ هذا" أمر
ليس سؤالا؛ لأن الخادم يرى نفسه في منزلة دون منزلة المخدوم، فإذا وجه إليه أمر
فليس سؤالا، ولكنه أمر.
* ومن
فوائد هذا الحديث: فضيلةُ المغيرة ومنقبتُه في خدمة النبي _صلى الله عليه وسلم_، ولا شك أن هذه
منقبة ومزية أن يكون الإنسان خادما للرسول _عليه الصلاة والسلام_ لِمَا في ذلك من
الشرف العظيم، ومن العلم الذي يكتسبه من خدمته للرسول _عليه الصلاة والسلام_.
* ومن
فوائد الحديث: جواز الاقتصار على الماء في الاستنجاء؛ إذ لم يأمر المغيرة أن يحمل أحجارا.
فإن قال قائل: ربما تكون
الأحجار عنده فلا يحتاج أن يأمره.
قلنا: نعم، هاذ محتمل، لكن
إذا نظرنا إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن
يأتي بأحجار فأتى بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: "إنها رجس". فهذا
يدل على أن الرسول - عليه الصلاة والسلام- إذا أراد الاستجمار بالحجر طلب ممن
يخدمه أن يأتيه بالحجر.
* ومن
فوائد هذا لحديث: شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم، والحياء معروف ولا يمكن أن نحده بأوضح من
لفظه، فإن الانفاعالات النفسية لا يمكن للإنسان أن يحدها ويعرفها.
لو قال قائل: ما___هي المحبة
ماذا نقول؟ نقول: ميل الإنسان إلى الشيء، إذا قلت: ميل الإنسان إلى الشيء، فمعناه:
أنك عرفت المحبة بأثرها؛ لأن الميل إلى الشيء نتيجة المحبة؛
ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه
الله في كتابه "روضة المحبين" تفسيرات للمحبة أظن أنها بلغت العشرين
قال: "ولا يمكن أن تحد المحبة بأحسن من لفظها". المحبة المحبة، الكراهة
الكراهة، الحزن الحزن، الحياء أيضا، لا يمكن أن تحده بأوضح من لفظه،
وأما قول من قال: انكسار يأخذ
الإنسان عند فعل ما يخجل أو ما أشبه ذلك، فهذا إنما هو آثاره.
إذن نقول: في هذا الحديث شدة استحياء النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى
على صفة مكروهة، من أين تؤخذ؟ "فانطلق حتى توارى
عني".
* ويؤخذ
منه فائدة أيضا: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في برية، وأراد قضاء الحاجة أن يبتعد حتى لا يرى،
وما أبعد ما يمشي إذا كان في أرض مستوية." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح
صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (7/ 83)
في فوائده (1):
1 - (منها):
بيان مشروعيّة المسح على الخفّين.
2 - (ومنها): استحباب
الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين.
3 - (ومنها):
استحباب الدوام على الطهارة؛ لأمره - صلى الله عليه وسلم - المغيرة أن يتبعه
بالماء، مع أنه لم يستنج به، وإنما توضّأ به حين رجع، كذا قيل، وهو محلّ نظر.
4 - (ومنها):
جواز الاستعانة في صبّ الماء على المتوضئ، وقد رُوي عن عمر وابنه - رضي الله عنهما
- كراهة ذلك، وقد روي عنهما خلاف ذلك، فرُوي عن عمر أن ابن عبّاس - رضي الله عنهم
- صبّ على يديه الوَضُوء، وقال ابن عمر: لا أبالي أعانني رجل على وضوئي، وركوعي،
وسجودي، وهو الصحيح؛ قاله القرطبيّ رحمه الله ["المفهم" 1/ 529]____
5 - (ومنها): غسل ما يُصيب
اليد من الأذى عند الاستجمار، وأنه لا يكفي إزالته بغير الماء.
6 - (ومنها):
الاستعانة على إزالة الرائحة بالتراب ونحوه، وقد يُستنبَط منه أن ما انتَشَر عن
المعتاد لا يزال إلا بالماء، هكذا قيل، وليُتأمّل.
7 - (منها):
جواز الانتفاع بجلود الميتة، إذا دُبِغَت.
8 - (ومنها):
جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يُتَحَقَّق نجاستها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم -
لبس الجبّة الرومية، ولم يَستَفصِل.
9 - (ومنها): أن
القرطبيّ رحمه الله استَدَلَّ به على أن الصوف لا يَنجَس بالموت؛ لأن الجبة كانت
شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات، ولم يسأل النبيّ - صلى
الله عليه وسلم - عن ذلك، ولا توقّف فيه ["المفهم" 1/ 530]
10 - (ومنها):
أن فيه الردَّ على مَن زَعَم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في
المائدة؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها
باتّفاق، وقد تقدّم حديث جرير البجليّ في معنى ذلك قريبًا.
11 - (ومنها):
أن فيه مشروعيّة التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيِّقة فيه؛ لكونها أعون على
ذلك.
12 - (ومنها):
المواظبة على سنن الوضوء حتى في السفر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ وضوءًا
كاملًا، كما تقدّم بيانه، لا كما ظنّ القرطبيّ أنه اقتصر على فروض الوضوء دون
السنن؛ لأنه إنما قال ذلك دون تأمّل الروايات المختلفة التي فسّر بعضها بعضًا، فلو
تأمّلها لاتّضح له خلاف ما قال، فقد بُيّن في بعضها أنه توضّأ ثلاثًا ثلاثًا، كما
قدّمنا بيان ذلك آنفًا، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد.
13 - (ومنها):
قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو كانت امرأةً، سواء كان ذلك فيما تَعُمّ به البلوى
أم لا، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قَبِلَ خبر الأعرابية كما تقدم بيانه.
14 - (ومنها):
أن الاقتصار على غسل مُعْظَم المفروض غسله لا يجزئ؛____لإخراجه - صلى الله عليه
وسلم - يديه من تحت الجبة، ولم يَكْتَفِ فيما بقي منهما بالمسح عليه، وما أكثر
تساهل العوامّ في هذه المسألة، فترى بعضهم لا يعتنون بإكمال محلّ الفرض في الغسل،
ولا سيّما إذا كانت عليهم ثيابٌ ضيّقةٌ، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز
الحكيم.
15 - (ومنها):
أنه يُستَدَلّ به للمذهب الصحيح القائل بوجوب تعميم الرأس بالمسح، وهو مذهب مالك،
والبخاريّ، لكونه - صلى الله عليه وسلم - كَمَّلَ بالمسح على العمامة، ولم يَكْتَف
بالمسح على ناصيته فقط، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في "باب صفة
الوضوء" أن هذا المذهب هو الحقّ، وحاصله أن تعميم الرأس بالمسح واجب، ولكن لا
يجب على الشعر فقط، بل على الرأس، وما عليه من العمامة، ونحوها، والله تعالى أعلم.
16 - (ومنها):
ما قال القرطبيّ رحمه الله: فيه دليلٌ على أن يسير التفريق في الطهارة لا يُفسدها،
قال أبو محمد عبد الوهّاب: لا يُختَلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يُفسد
الوضوء، واختُلف في الكثير المتفاحش، فرُوي عن ابن وهب أنه يُفسده في العمد
والسهو، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحُكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يُفسده في الوجهين،
وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ في قول آخر، وعند ابن القاسم أنه يُفسده مع العمد،
أو التفريط، ولا يُفسده مع السهو، وقال أبو الفضل عياضٌ: إن مشهور المذهب أن
الموالاة سنّةٌ، وهذا هو الصحيح؛ بناءً على ما تقدّم من أن الفرائض محصورة في
الآية، وليس في الآية ما يدلّ على الموالاة، وإنما أُخذت من فعل النبيّ - صلى الله
عليه وسلم -؛ إذ لم يُروَ عنه قطّ أنه فرّق تفريقًا متفاحشًا، واختلف في الفرق بين
اليسير والكثير، فقيل: ذلك يرجع إلى الاجتهاد، وليس فيه حدّ، وقيل: جفاف الوضوء هو
الكثير. انتهى ["المفهم" 1/
530].
قال الجامع عفا الله عنه:
الأرجح عندي أن الموالاة من مستحبّات الوضوء؛ لأنه لم يَرِد ما يدلّ على وجوبه،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
17 - (ومنها):
مشروعيّة خدمة أهل العلم والفضل.
18 - (ومنها):
جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ___خلف
بعض أمته، حيث صلّى هنا خلف عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -، وسيأتي في
"كتاب الصلاة" صلاته خلف أبي بكر - رضي الله عنه -.
19 - (ومنها):
بيان حكم المسبوق في صلاته، وهو أنه يُصلّي مع الإمام ما أدركه، ثم يقضي بعد سلام
الإمام ما سُبِق به، ولا يسقط ذلك عنه، قال النوويّ: بخلاف قراءة الفاتحة، فإنها
تسقط عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا انتهى ["شرح النوويّ" 3/ 173].
قال الجامع عفا الله عنه: هذا
الذي قاله النووي من سقوط الفاتحة عن المسبوق، وإن قال به جمهور الفقهاء، إلا أنه
خلاف الراجح، وقد حقّقت المسألة في "شرح النسائيّ" بأدلّتها، وسأتعرّض
لها في هذا الشرح أيضًا في الموضع المناسب لها من "كتاب الصلاة" - إن
شاء الله تعالى -.
20 - (ومنها):
طلب اتّباع المسبوق للإمام في ركوعه وسجوده وجلوسه، وإن لم يكن موضع جلوس المأموم.
21 - (ومنها):
أن المأموم إنما يفارق الإمام بعد سلامه، لا قبله.
22 - (ومنها):
أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، حيث إن الصحابة - رضي الله عنهم - فعلوها في
أول الوقت، ولم ينتظروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأثنى عليهم في ذلك.
23 - (ومنها):
أن من بادر إلى الطاعة يُشكَر.
24 - (ومنها):
أن الإمام الراتب إذا تأخّر عن أول الوقت استُحِبَّ للجماعة أن يقدّموا أحدهم،
فيصلّي بهم، إذا وَثقوا بحسن خلق الإمام، وأنه لا يتأذّى من ذلك، ولا يترتّب عليه
فتنة، فأما إذا لم يَأمنوا أذاه، فإنهم يصلّون في أول الوقت فرادى، ثم إن أدركوا
الجماعة بعد استُحبّ لهم إعادتها معهم، كما أمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أبا
ذرّ - رضي الله عنه - بذلك، فقد أخرج المصنّف في "الصلاة"، عن أبي ذرّ -
رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كيف أنت إذا
كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال:
قلت: فما تأمرني؟ قال: "صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ، فإنها
لك نافلة"، وفي لفظ: "ثم إن____أقيمت الصلاة، فصلّ معهم، فإنها زيادة
خير"، وفي لفظ: قال: "صلِّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت
الصلاة وأنت في المسجد فصلِّ".
25 - (ومنها):
بيان فضل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - حيث قدّموه للصلاة بهم، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
Komentar
Posting Komentar