شرح الحديث 34 من بهجة قلوب الأبرار
|
الحديث الرابع والثلاثون: ما نقصت
صدقة من مال. عن أبي هريرة _رضي الله عنه_، قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ
مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا. وَمَا تَوَاضَعَ
أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ" رَوَاهُ
مُسْلِمٌ |
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم"
(16/ 141):
"(مَا
نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ)،
ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ:
* أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ
يُبَارَكُ فِيهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْمَضَرَّاتِ، فَيَنْجَبِرُ نَقْصُ
الصُّورَةِ بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّةِ. وَهَذَا مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ وَالْعَادَةِ.
* وَالثَّانِيْ: أَنَّهُ وَإِنْ
نَقَصَتْ صُورَتُهُ، كَانَ فِي الثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ جَبْرٌ
لِنَقْصِهِ، وَزِيَادَةٌ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
(وما زاد اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا)،
فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:
* أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ
وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوبِ
وَزَادَ عِزُّهُ وَإِكْرَامُهُ * وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَجْرُهُ فِي
الْآخِرَةِ وَعِزُّهُ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا___رَفَعَهُ
اللَّهُ)،
فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:
* أَحَدُهُمَا: يَرْفَعُهُ فِي
الدُّنْيَا وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوبِ مَنْزِلَةً وَيَرْفَعُهُ
اللَّهُ عِنْدَ النَّاسِ وَيُجِلُّ مَكَانَهُ.
* وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ
ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ وَرَفْعُهُ فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذِهِ
الْأَوْجُهُ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَادَةِ
مَعْرُوفَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعِهَا فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال ابن قدامة المقدسي في
"مختصر منهاج القاصدين" (1 / 184):
"اعلم:
أن معنى العفو أن تستحق حقاً فتسقطه، وتؤدى عنه من قصاص أو غرامة." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في "صحيحه" (4/ 2001/ 69) (رقم: 2588)، والترمذي
في "سننه" – ت. شاكر (4/ 376) (رقم: 2029)
|
وقال الشيخ السعدي _رحمه الله_ في
"بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 81_82): *
هذا الحديث احتوى على فضل الصدقة، والعفو والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة
والآجلة، * وأن كل ما يتوهمه المتوهم من نقص
الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز، والتواضع للرفعة: وهْمٌ غالِطٌ، وظن كاذب. فالصدقة لا تنقص المال، لأنه لو فرض
أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أخر، فإن الصدقة تُبَارِكُ المال، وتدفع عنه
الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق، وأسبابِ الزيادة أمورا ما تفتح
على غيره. فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات
الجليلة؟ فالصدقة لله التي في محلها لا تُنْفِدُ المالَ قطْعًا، ولا تنقصه بنص النبي _صلى الله عليه وسلم_، وبالمشاهدات والتجربات المعلومة، هذا كله سوى ما لصاحبها عند الله: من
الثواب الجزيل، والخير والرفعة. وأما العفو عن جنايات
المسيئين بأقوالهم وأفعالهم: فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز، فإن العز هو الرفعة
عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء. ومعلوم: ما يحصل للعافي من الخير
والثناء عند الخلق، وانقلاب العدو صديقا، وانقلاب الناس مع العافي، ونصرتهم له
بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله، فإن من عفا عن عباد الله،
عفا الله___عنه. وكذلك المتواضع لله ولعباده يرفعه
الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] فمن أجلِّ ثمرات العلم والإيمان: التواضع، فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر
الله ورسوله، امتثالا للأمر، واجتنابا للنهي، مع التواضع لعباد الله، وخفض
الجناح لهم، ومراعاة الصغير والكبير، والشريف، والوضيع، وضد ذلك التكبر؛
فهو غمط الحق، واحتقار الناس. وهذه الثلاث المذكورات في هذا الحديث:
مقدمات صفات المحسنين، فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين، وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين، وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه، وحسن خلقه مع الناس أجمعين، وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم
وإحسانهم، ورفعهم الله فصار لهم المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم
من الثواب. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله» تنبيهٌ على حسن القصد والإخلاص لله
في تواضعه، لأن كثيرا من الناس قد يُظْهِرُ التواضع للأغنياء ليصيب من دنياهم،
أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبَه، وقد يظهر التواضع رياء وسمعة، وكل هذه أغراض
فاسدة، لا ينفع العبد إلا التواضع لله تقربا إليه، وطلبا لثوابه، وإحسانا إلى
الخلق، فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله. |
Komentar
Posting Komentar