شرح الحديث 50 من بلوغ المرام

 

50 - وَعَنْ أَنَسٍ _رضي الله عنه_ قَالَ:

"رَأَى النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ: (ارْجِعْ، فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ)." أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وَعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ:

"رَأَى النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ[1] لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ: (ارْجِعْ، فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ)." أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ

 

سنن أبي داود (1/ 45) (رقم: 175):

حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«أَنَّ النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّ، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ»

 

حديث خالد بن معدان صحيح: صححه الألباني في "إرواء الغليل" (1/ 126) (رقم: 86)،

 

وقال الألباني في "إرواء الغليل" (1/ 127):

"قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير أن بقية مدلس، وقد عنعنه. لكن قد صرح بالتحديث فى "المسند"، "والمستدرك"، كما قال الحافظ فى "التلخيص" (ص 35)، وفيه: "عن بعض أزواج النبى _صلى الله عليه وسلم_".

قلت: وبذلك زالت شبهة التدليس , وثبت الحديث." اهـ

 

نعم، رواه بقية بالتحديث فيما أخرجه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 424) (رقم: 15495):

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

أَنَّ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ، قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ."

 

والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 135): "كَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مُرْسَلٌ." اهـ

 

وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (1/ 83) ردًّا على البيهقي:

"تسميته هذا مرسلا ليس بجيد لان خالدا هذا ادرك جماعة من الصحابة وهم عدول فلا يضرهم." اهـ

 

صحيح مسلم (1/ 215/ 31) (رقم: 243):

عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:

أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 207)

"فأحسن وضوءك"، يعني: توضأ وُضُوْءًا حَسَنًا،

وهل المراد بقوله: "أحسن وضوءك" أن يَبْتَدِئَ الوضوءَ مِنْ جديدٍ؛ أو أنْ يَغْسِلَ ما لم يُصِبْهُ الماءُ؟

يحتمل هذا وهذا؛ لأن كلا منهما إحسانٌ، سواءٌ ابتدأ الوضوءَ من أولِهِ، أو غَسَلَ ما لم يصبه الماء مِنَ الْقَدَمِ،

ولكن القواعد تقتضي أنْ___يُفَصَّلَ فِيْ هَذَا:

* فإن كان الزمن بعيدا، فإحسان الوضوء: أن يعيده من أوله لفوات الموالاة،

* وإن كان قريبا، فإحسان الوضوء: أن يغسل ما لم يصبه الماء من القدم." اهـ

 

خلاف العلماء:

 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 144)

قد احْتج بِهَذَا بعض أَصْحَابنَا فِي وجوب الْمُوَالَاة؛ لِأَن الْمُوَالَاة عندنَا شَرط فِي صِحَة الْوضُوء، وَهُوَ قَول مَالك، وَعَن أَحْمد لَيْسَ شرطا كَقَوْل أبي حنيفَة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ.

وَلَا خلاف فِي التَّفْرِيق الْيَسِير أَنه لَا يبطل،

وَقد حد أَصْحَابنَا الْكثير: بِأَن يَأْتِي على الْعُضْو زمَان معتدل فِي الْحر وَالْبرد فينشف. وَوجه الْحجَّة فِي الحَدِيث أَن الرجل فهم من قَوْله: " أحسن وضوءك " إِعَادَة الْوضُوء، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: تعلم كَيفَ الْوضُوء، فَلَيْسَ مَا فعلت بِوضُوء." اهـ

 

وفي "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 249) للبسام:

"* خلاف العلماء:

ذهب جمهورُ العلماء: إلى وجوب استيعاب أعضاء الوضوء بالماء؛ لما ثبت في الصحيحين: "ويلٌ للأعقاب من النَّار".

وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه يُعْفَى عن نصف العضو أو ربعه أو أقل من الدرهم، وهي روايات تحكى عنه، والصحيحُ عنه: أنَّه يجبُ الاستيعاب." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 44) (رقم: 173)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 218) (رقم: 665)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 146) (رقم: 12487)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (5/ 322) (رقم: 2944)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 84) (رقم: 164)، وأبو عوانة في "مستخرجه" (1/ 212) (رقم: 692)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (6/ 323) (رقم: 6525)، والدارقطني في "سننه" (1/ 193) (رقم: 381)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (8/ 330)، وفي "تاريخ أصبهان" = "أخبار أصبهان" (1/ 158)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 115 و1/ 135) (رقم: 328 و393)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (7/ 31) (رقم: 2416).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (1/ 307) (رقم: 165)

 

من فوائد الحديث:

 

قال عبد الله بن عبد الرحمن البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 248_249):

"* ما يؤخذ من الحديث:

1 - وجوب تعميم أعضاء الوضوء، وأنَّ ترك شيء من العضو -ولو قليلًا- لا يصحُّ معه الوضوء.

2 - مشروعية إحسان الوضوء، وذلك بإتمامه وإسباغه، وهذا نص في الرِّجْل، وقياسٌ في غيرها.

3 - أنَّ القدمين من أعضاء الوضوء، وأنَّه لا يكفي فيهما المسح، بل لابدَّ من الغسل؛ كما جاء صريحًا في آية المائدة الآية رقم 6.

4 - وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، فإنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بأنْ يرجع ليحسن وضوءه كله، من أجل تأخير غسل الرِّجْلِ عن بقيَّة الأعضاء، ولو لم تعتبر الموالاة، لاقتصر على أمره بِغَسْلِ ما تركه فقطْ.

5 - تعيُّن الماء في الوضوء؛ فلا يقوم غيره مقامه.

6 - وجوبُ المبادرة إلى الأمرِ بالمعروف، وإرشادِ الجاهلِ والغافل؛ لتصحيحِ عبادته.___

7 - أنَّ إحسان الوضوء هو بإتمامه وإسباغه؛ ليَعُمَّ جميعَ العضو المغسول.

8 - خصَّ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الأعقابَ بالعقاب بالنَّار؛ لأنَّها التي لم تُغْسَلْ غالبًا، والمراد صاحبُ الأعقاب؛ لأنَّهم كانوا لا يَسْتَقْصُونَ غسل أرجلهم في الوضوء.

9 - في الحديث استحبابُ تحريك الخاتَمِ والسَّاعة في اليد؛ ليحصل اليقين إلى وصولِ ماء الوضوءِ إلى ما تحت ذلك.

 

وقال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 33):

"وقوله: (ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء) [خ م]، وأنَّ رَجُلاً لم يغسل عقبه فقال النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ذلك، وأن رجلاً ترك موضع ظُفرٍ على قدميه فقال له: " ارجع فأحسن وضوءك "،

كله دليلٌ على أَنَّ فرْضَ الرِّجْلَيْنِ الْغَسْلُ دُوْنَ غَيْرِهِ، وهو مذهب أئمة الفتوى." اهـ

 

وقال القاضي عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (2/ 40):

"وقوله فى الذى ترك موضع ظفر قَدمِه: (ارجع فأحسن وضوءك) دليلٌ على استيعاب الأعضاء وغسل الرجلين، وأن تارك بعض وضوئه جهلاً أو عمداً يستأنفه." اهـ

 

شرح النووي على مسلم (3/ 132)

فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ جُزْءًا يَسِيرًا مِمَّا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (6/ 292_293):

في فوائده:

1 - (منها): بيان وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الفرض غسلًا ومسحًا.

2 - (ومنها): بيانُ أن مَنَ تَرك شيئًا من أعضاء طهارته جاهلًا لم تصح طهارته، ولا يُعذر بالجهل.

3 - (ومنها): بيان أن الجزء اليسير كالكبير، لا فرق بينهما، فإن قوله: "موضع ظفر" ظاهر في ذلك.

قال النوويّ - رحمه الله - في "المجموع": فإن كان على رجله شُقُوقٌ وجب إيصال الماء إلى باطن تلك الشقوق، فإن شكّ في وصول الماء إلى باطنهما، أو باطن الأصابع لزمه الغسل ثانيًا حتى يتحقّق الوصول، هذا إذا كان قد شكّ في أثناء الوضوء، فأما إذا شكّ بعد الفراغ، ففيه خلا، ثم وقال: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة - فلو أذاب في شقوق رجليه شَحْمًا، أو شَمَعًا، أو عجينًا، أو خضبهما بحنّاء، وبقي جِرْمه، لزمه إزالة عينه؛ لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة، فلو بقي لون الحنّاء دون عينه لم يضرّه، ويصحّ وضوؤه، ولو كان على أعضائه أثر دهن مانع، فتوضّأ، وأمسّ الماء البشرة، وجرى عليها، ولم يَثْبُت صحّ وضوؤه؛ لأن ثبوت الماء ليس بشرط. انتهى كلام النوويّ - رحمه الله – ["المجموع" 1/ 456 - 457].

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ - رحمه الله - بحثٌ نفيسٌ؛ لأنه تؤيّده ظواهر النصوص؛ إذ هي أوجبت غسل الأعضاء، ولا يتحقّق ذلك إلا بوصول الماء إلى جميع بشرة العضو المغسول.

[تنبيه مهمٌّ]: من هنا يُعلم - كما قال بعض الفضلاء - أن ما اعتاده النساء اليوم من طلاء أظافر اليدين والرجلين بمادّة ملوّنة (المونوكير) ولها جرم يمنع وصول الماء إلى الأظافر لا تصحّ معها الطهارة، ولا تصحّ الصلاة بها؛ لعدم___تحقّق الطهارة المأمور بها، فليُتنبّه لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام؛ إذ كثير من النساء يصلّين بغير طهارة شرعيّة، وإنا لله، وإنا إليه راجعون.

4 - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، والرفقَ به.

5 - (ومنها): أنه قد استدَلَّ به جماعة على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح.

6 - (ومنها): أن القاضي عياضًا - رحمه الله - وغيره استَدَلّوا بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَحْسِن وضوءك"، ولم يقل: اغسِلِ الموضعَ الذي تركته.

وتعقّبه النوويّ - رحمه الله -، فقال: وهذا الاستدلال ضعيفٌ، أو باطلٌ، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَحْسِن وضوءك" محتملٌ للتتميم، والاستئناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر. انتهى ["شرح النوويّ" 3/ 132]،

وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ

 

معالم السنن (1/ 63_64):

"دلالة هذا الحديث أنه لا يجوز تفريق الوضوء وذلك لأنه قال: (ارجع فأحسن وضوءك)،

وظاهر معناه: إعادة الوضوء في تمام، ولو كان تفريقه جائزاً لأشبه___أن يقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع أو كان يأمرة بإمساسه الماء في ذلك وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يتوضأ فيه.

 

وقال شرف الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (1/ 202):

"وَالْحَدِيثُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ:

* مِنْهَا: أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ جَاهِلًا لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ،

* وَمِنْهَا:  تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ وَالرِّفْقُ بِهِ،

* وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرِّجْلَيْنِ الْغَسْلُ دُونَ الْمَسْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

وقال الحسين بن محمد بن سعيد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (1/ 246):

"وفي الحديث أيضًا: أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد،

وفيه: تعليم الجاهل بالرفق." اهـ

 

وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/ 215):

"(ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ)،

وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذَا تَرَكَ غَسَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُوَالَاةِ،

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ." اهـ

 

نيل الأوطار (1/ 220_221):

"وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى مَنْ تَرَكَ مِنْ غَسْلِ أَعْضَائِهِ مِثْلَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ فِيهِ بِالْإِحْسَانِ لَا بِالْإِعَادَةِ، وَالْإِحْسَانُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إسْبَاغِ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِسِوَى الْإِحْسَانِ.

فَالْحَدِيثُ___الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ لِلْوُضُوءِ كَامِلًا لَلْإِخْلَالِ بِهَا بِتَرْكِ اللُّمْعَةِ وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ.

وَالْحَدِيثُ الثَّانِي وَحَدِيثُ أَنَسٍ السَّابِقُ يَدُلَّانِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَهُمْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ،

وَالتَّمَسُّكُ بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ عَلَى الْوَلَاءِ وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» أَظْهَرُ مِنْ التَّمَسُّكِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ لَوْلَا أَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ كَمَا عَرَّفْنَاكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُثْمَانَ لَا سِيَّمَا زِيَادَةُ قَوْلِهِ:

(لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ)." اهـ

 

شرح سنن أبي داود للعباد (29/ 13، بترقيم الشاملة آليا)

الأحاديث التي أوردها أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة تدل على عدم تفريق الوضوء، وأنه لا بد فيه من الموالاة ولا بد فيه من الترتيب بين الأعضاء، فلا يقدم غسل اليدين إلى المرفقين على الوجه، أو غسل الرجلين على الوجه أو على مسح الرأس بل كل عضو يأتي بعد العضو الذي ذكر قبله، كما جاء في القرآن في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6].

وأيضاً لابد من الموالاة وذلك بأن يستمر ولا يقطع الوضوء، ولو حصل أنه تبين له أن هناك عضواً من أعضائه لم يصل إلى جزء منه الماء فإن عليه أن يعيد الوضوء وأن يعيد الصلاة إذا كان قد صلى، وهذا دليل على عدم تفريق الوضوء، وأنه لا بد منه.

والحديث أيضاً يدل على أن حكم الرجلين الغسل، وليس المسح؛ لأنه لو كان المسح فكيف ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم على شخص بقي في قدمه لمعة أو مقدار الدرهم ثم يأمره بأن يعيد الوضوء؟! فدل هذا على أن حكم الرجلين الغسل وليس المسح كما تقوله الرافضة.

 

شرح سنن أبي داود للعباد (29/ 13، بترقيم الشاملة آليا)

فكونه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يرجع وأن يحسن الوضوء دل على أن عمله هذا غير صحيح، وأن عليه أن يعيد الوضوء، وبعض أهل العلم أجاز غير ذلك، ولكن الذي تقتضيه الأحاديث وتدل عليه الأحاديث هو أن الوضوء لا يفرق وأن من وجد منه شيء لم يصل إليه الماء فإن عليه أن يرجع ويتوضأ.

 

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (2/ 171)

(فقه الحديث) دلّ الحديث على وجوب تعميم الأعضاء بالغسل في الوضوء وأن من ترك جزءا يسيرا ولو جاهلا أو ناسيا ممَّا يجب تطهيره لا تصح طهارته وهذا متفق عليه، ودلّ الحديث أيضا على أنه يطلب تعليم الجاهل مع الرفق به، وعلى أنه يطلب من العالم إذا رأى منكرا أن يغيره ولا يسكت عليه

 

الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 213)

* في هذا الحديث من الفقه الحث على إسباغ الضوء، ويحتج به في وجوب الموالاة في الوضوء، وأن لا يفرق فيه بين عضو وعضو حتى يجف الأول، لأنه قد قال: (فرجع فتوضأ)، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بإعادة الوضوء ولكنه أمره بإحسانه إلا أنه فهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - الإعادة.

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 208_212):

ففي هذا الحديث فوائد:

منها: وجوب استيعاب الأعضاء بالتطهير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا أن يرجع فيحسن الوضوء، ويدل لهذا الحكم قوله - تبارك وتعالى-: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]. فإذا لم يستوعب الوجه لم يمتثل الأمر، وكذلك يقال في اليدين والرأس والرجلين.

ومن فوائده: أنه تجب إزالة ما يمنع وصول الماء، سواء كان قليلا أو كثيرا، حتى وإن كان مثل الظفر،

وكلمة "مثل الظفر" يحتمل أن المراد مثلُ قَلاَمَةٍ أو مِثْلُ الظُّفْرِ كاملا، وأيا كان، فإنه يدل على أنه إذا حال بين العضو والماءِ مِثْلُ الظُّفْرِ، وجب إزالته، وإلا لم يصدق عليه أنه غسله،

ولكن يبقى عندنا مسائل:

* المسألة الأولى: الخاتم إذا كان ضيقا، فإنه في الغالب يمنع وصول الماء، فهل يجب أن يحركه حتى يدخل الماء بين وبين العضو أو لا يجب؟

نقول: الظاهر أنه يجب إذا كان ضيقا جدا بحيث يمنع وصول الماء، فلا بد أن يحرِّكَهُ من أجْلِ أن يصل الماءُ إلى باطنه، ويحتمل ألا يجب، وهذا الاحتمال نأخذه من كون الرسول _عليه الصلاة والسلام_ يلبس الخاتم، ولم يَرِدْ عنه أنه إذا أراد الوضوء أو الغسل نزعه، وهذا الخاتم لا ندري أهو ضيق أو واسع.

لماذا نقول: يحتمل، ولكن يرد على هذا الأخير - أهو ضيق أو واسع- أنه إذا وجد الاحتمال، بطل الاستدلال،

فإذا كان يحتمل أنه واسع، ويحتمل أنه ضيق وكانت القاعدة عندنا أنه يجب إيصال الماء إلى محل التقريرِ، فإننا لا نأخذ بالاحتمال الثاني الذي يكون ضيقا.

* المسألة الثانية: إذا كان الإنسان عليه تركيبة أسنان فهل يجب عليه أن يخلعها عند المضمضة، أو يفصل إن كانت واسعة أو ضيقة، أو يقال: إنه لا يجب استيعاب الفم بالمضمضة؟ الأخير؛ لأن الفقهاء نصوا على أنه لا يجب استيعاب الفم بالمضمضة، وبناء على ذلك لا يجب على الإنسان أن يخلع تركيبة الأسنان ولا أن يخلخلها حتى يصل الماء.

المسألة الثالثة: النساء يستعملن الْحِنَّاءَ على رءوسهن، والحناءُ يتلبد على الرأس، ويمنع وصول الماء، فهل يعفى عن ذلك كما عفي عن مسحِ رأس الرجل بالعمامة ومسحِ رأسِ المرأة بالخمار على القول بذلك أو لا؟

نقول: يعفى عن ذلك، والدليل على هذا من السنة أن الرسول - عليه الصلاة والسلام- في إحرامه قد لبد رأسَه بالعسل والصمغ،

وهذا يمنع حتى مباشرة الشعر فيكون هذا له دليل من السنة غير القياس على العمامة والخمار،

والنساء يستعملن دائما - كما قلت- الحناء يلبدن على الرءوس.___

كذلك أيضا يوجد حلي تربطه المرأة برأسها له عرى تدخل الشعر في هذه العروة من أجل أن يستمسك،

وتسمى عند الناس (الهامة)؛ لأنها توضع على هامة الرأس، وهي على قدر الكف، يعني: قطعة من الحلي على قدر الكف تضعها المرأة على رأسها، ثم تخيطها بالشعر - شعر الرأس- بواسطة العرى التي فيها. هل نقول: إنه يجوز أن تمسح عليها أو يجب أن تخلعها أو تخلخلها حتى يصل الماء من تحتها؟

الجواب: يجوز أن تمسح عليها؛ لأنها من جنس الحناء، ومن جنس الخمار، بل هي أشد؛ لأنها تخر بنفس شعر الرأس، وما زال النساءُ يستعملنها فيما سبق، وعندهم العلماء ولا ينبهون على هذا.

وهل يعفى عن الشيء اليسير فيمن يشق عليه التحرز من مانع وصول الماء، كأصحاب البويات الذين يستعملونها، يصبغون بها الجدر لا يخلون من أن يتعلق بأيديهم شيء من البوية، فهل يعفى عن ذلك إن كان يسيرا؟

اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن يعفى عن ذلك إذا كان يسيرا، وطرد هذا أن اليسير يعفى عنه، ووافقه الفقهاء _رحمهم الله_ في الوسخ الذي يكون بالأظفار، الأظفارِ الطويلةِ، يكون تحت الظُّفْرِ الوَسَخُ يَمْنَعُ من وصول الماء، فهذا معفو عنه، حتى عند الفقهاء _رحمهم الله_ يعفون عن ذلك؛ لأن هذا يشق التحرز منه،

ولو قلنا للإنسان: يجب أن تَنْقُبَ أظافرك عند كل وضوء، لكان فيه مشقة، وما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله صحيح، لكن فيما يشق التحرز منه، وذلك عند من؟ عند أصحاب البوْيات الذين يصبغون بها الجدر،

هؤلاء، لا شك أنه يُسْمَحُ بذلك.

هناك مادَّةٌ أُخْرَى غُير البوية تلصق بالجلد، وتأبى أن تنقى من الجلد، حتى تضع عليها بنزين - والبنزين عادة يزيل البويات- لا فائدة، فماذا نعمل؟

على كل حال: أنا ذكرت هذا من أجل أن تتحرزوا منه، وإلا لا شك أنه إذا عجز الإنسان عنه أنه يعفى عنه، لكن نَحُثُّ الإنسان على ألا يَقْرَبَهُ،

والحمد لله الآن الوسائل المانعة من ذلك كثيرة، يوجد قفازات من البلاستيك، إذا أردت أن تستعمل فالْبَسْهَا، وإلا، فتحرز منها، لأنها خطيرة.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الأمر بالمعروف، وجهه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يحسن الوضوء، ولكن إذا قال قائل: هذا فعل، والفعل المجرد عند الأصوليين لا يدل على الوجوب؟ فيقال: هذا فعل جرى امتثالا لقول الله - تبارك وتعالى-: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104]. وما وقع من فعل الرسول - عليه الصلاة والسلام- امتثالا، فإن له حكم الأمر الذي امتثله.___

ومن فوائد هذا الحديث: أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل، بل لابد من فعله، وجهه: أن هذا الرجل إما جاهل وإما ناس، إما جاهل يحسب أن الماء قد شمل جميع القدم، أو يحسب أنه لا يجب شمول الماء لجميع القدم أو ناس ومع ذلك لم يستفصل الرسول صلى الله عليه وسلم منه بل أمره أن يحسن الوضوء.

ومن فوائد هذا الحديث: اشتراط الموالاة إذا حملنا قوله: "أحسن" على إعادة الوضوء، وقد اختلف العلماء - رحمهم الله- في الموالاة هل هي شرط في الوضوء أو لا؟ والظاهر أنها شرط؛ لأن الوضوء عبادة واحدة، وإذا لم يوال بين أجزائه تَفَكَّكَ.

لو قال قائل: لك أن تغسل وجهك الساعة التاسعة صباحا، ثم تغسل اليدين الساعة العاشرة، ثم تمسح رأسك الساعة الحادية عشر، ثم تغسل رجليك الساعة الثانية عشر، هل يقول: إن هذا الرجل توضأ؟

حقيقة ما توضأ، وإنما غسل أعضاء،

ثم إن قوله تعالى:

{يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6].

عطف عليها، ومن المعلوم أن جواب الشرط يلي المشروط مباشرة، بدليل أنه يربط بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب،

فإذا قلنا: غسل الوجوه يأتي مباشرة. قلنا: وما عطف عليه يأتي مباشرة أيضا، وهذا استنباط جيد بالنسبة للدلالة من الآية.

فإذا قال قائل: وهل يشترط الترتيب؛ بمعنى: أنه إذا كان الذي لم يصبه الماء من الأعضاء الأولى فهل يغسل ما تحته؟ يعني: لنفرض أنه في اليد هل نقول: اغسل اليد ثم امسح الرأس ثم اغسل الرجل، أو يسقط الترتيب؟

الجواب: لا يسقط الترتيب، بل يغسله وما بعده،

ونظير ذلك: لو أن الإنسان نسي الركوع، سجد من قيام ثم ذكر،

هل نقول: (اركع ولا تسجد، او اركع وائت بما بعده؟) الثاني؛ لأنه لابد من الترتيب، لكن بعض أهل العلم يقولون: إن الترتيب يسقط بالجهل والنسيان،

وبناء على هذا القول، لا بأس أن يغسل ما لم يغسله من الأعضاء، ويقتصر على ذلك، لو وقع هذا في غسله، يعني: إذا وجد الإنسان - بعد أن اغتسل من الجنابة- أن عليه ما يمنع وصول الماء إلى تحته، فهل نقول: أزل المانع واغسل ما تحته، أو نقول: أزل المانع واغتسل كاملا؟

الجواب: الأول؛ لأن الغسل ليس فيه الترتيب، في الغسل ابدأ بالرأس أو بالرجلين كله واحد الترتيب إنما هو في الوضوء؛

ولهذا قال الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]. ولم يذكر من أين نبدأ.___

فإذا قال قائل: هل الرجل رجع؟ لابد؛ لأن بعض الناس تأتي أوامر - وهذه نبهت عليها لأنها مهمة- ثم يقول: ما ورد عن الصحابة،

فنقول: ما هو شرط، نحن متعبدون بما نسمع وليس من شرط ذلك أن نعلم أن الصحابة عملوا به أو لم يعملوا به، فمثلا الدعاء يوم الجمعة من دخول الإمام إلى أن تنتهي الصلاة حري بالإجابة، فهل يدعو الإنسان بين الخطبتين، أو نقول: لا تدع بين الخطبتين لأن الصحابة ما فعلوه؟ الجواب: الأول يدعو بين الخطبتين؛ لأن الأصل أن الصحابة سوف يفعلون ما أمروا به أو ما دلوا عليه من الحق هذا هو الأصل، وكونه يقول: لا يمكن إلا أن نعلم أنهم عملوا؛ هذا خطأ، لكن إذا علمنا أنهم عملوا على خلاف ما يقتضيه الأمر المطلق حينئذ يكون الأمر المطلق مقيدا بعملهم، وأظنكم تعرفون الفرق بين الأمرين، يعني: الأمر إذا ورد ولم نعلم أن الصحابة فعلوه نقول: يبقى الأمر على ما هو عليه، لكن إذا علمنا أنهم فعلوه على وجه معين نتقيد بهذا الوجه المعين، مثال ذلك: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما". هل نقول: اعتمر في الصباح والمساء لتكفر ما بينهما؟ لا؛ لأن الصحابة عملوا بهذا، لكن ما عملوا على ا، هم يكررون العمرة كل يوم أو كل أسبوع، بل نقل شيخ الإسلام رحمه الله اتفاق السلف على كراهة الإكثار من العمرة والموالاة بينها ذكره في الفتاوى. على كل حال هذه مسائل دقيقة، مسألة العمل.

إذا قال قائل: إذا قلتم باستحباب الدعاء بين الخطبتين أتقولون برفع اليدين؟

نقول: الأصل في الدعاء أن من آدابه رفع اليدين ولا بأس أن نرفع الأيدي، ورفع اليدين في الدعاء ينقسم إلى أربعة أقسام:

1 - قسم ورد الشرع بأنه لا رفع فيه إلا في حالة معينة.

2 - وقسم ورد الشرع بعدم الرفع فيه مطلقا.

3 - وقسم ورد الشرع برفع اليدين فيه

4 - وقسم مسكوت عنه.

الأول: الذي ورد رفع اليدين فيه في أشياء معينة؛

الدعاء في الخطبة - خطبة الجمعة- رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة، سواء من الإمام الخطيب أو من المستمعين.

هذا بدعة أنكره الصحابة على مروان بن الحكم، ولكن ثبت عن النبي - عليه الصلاة والسلام- أنه "رفع يديه في الدعاء في الاستسقاء والاستغفار".___

الثاني: ما ورد في عدم الرفع مطلقا؛ وذلك في الدعاء في الصلاة أي في أثناء الصلاة كان الرسول - عليه الصلاة والسلام- يدعو في صلاته ولا يرفع يديه، يدعو بين السجدتين ويداه على فخذيه، لا يرفعهما.

الثالث: السكوت عنه والأصل فيه الرفع، لكن قد يتبادر للإنسان أنه لم يحصل الرفع مثل قوله - عليه الصلاة والسلام- إذا فرغ من دفن الميت:

"استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت"،

فإن ظاهر الحال أنهم لا يرفعون أيديهم؛ لأن الراوي لم يقل ثم رفع يده ودعا مثلا، ولكن لو رفع إنسان يده وقال: هذا هو الأصل، لا نستطيع أن ننكر عليه بدون دليل بين.

الرابع: الذي ورد الرفع فيه مطلقا؛ مثل الدعاء يوم عرفة؛ وعلى الصفا والمروة." اهـ



[1]  وفي عون المعبود وحاشية ابن القيم (1/ 202) لشرف الحق العظيم آبادي:

"(الظُّفُرِ) فِيهِ لُغَاتٌ:

* أَجْوَدُهَا: ظُفُرٌ (بِضَمِّ الظَّاءِ، وَالْفَاءِ)، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ،

* وَيَجُوزُ: إِسْكَانُ الْفَاءِ، وَيُقَالُ: ظِفْرٌ بِكَسْرِ الظَّاءِ، وَإِسْكَانِ الْفَاءِ.

* وَظِفِرٌ (بكسرهما)، وقرىء بِهَا فِي الشَّوَاذِّ.

وَجَمْعُهُ: أَظْفَارٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ: أَظَافِيرُ، وَيُقَالُ فِي الْوَاحِدِ أَيْضًا: أُظْفُورٌ." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ