شرح الحديث 174 من الأدب المفرد

 

92- باب ليجتنب الوجه في الضرب

 

174 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، وَسَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ (صدوق يتشيع، و له أفراد: 213 هـ):

خالد بن مخلد القَطَوَانِيُّ، أبو الهيثم البجلى مولاهم الكوفي، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له:  خ م كد ت س ق 

 

قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ (ثقة: 177 هـ):

سليمان بن بلال القرشى التيمى مولاهم ، أبو محمد ، و يقال أبو أيوب ، المدنى (وهو والد أيوب بن سليمان بن بلال)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له:  خ م د ت س ق 

 

قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة: 148 هـ بـ المدينة):

محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني (مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة)، من صغار التابعين، روى له:  خت م د ت س ق

 

قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي (لا بأس به):

عجلان المدنى، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة (والد محمد بن عجلان)، طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له:  خت م د ت س ق

 

وَسَعِيدٌ (ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين: ت. 120 هـ):

سعيد بن أبى سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، من الوسطى من التابعين، روى له:  خ م د ت س ق

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت 57 هـ):

أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له:  خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ»

 

صحيح البخاري (3/ 151) (رقم: 2559):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلاَنٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ»

 

صحيح مسلم (4/ 2017/ 115) (رقم: 2612) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَفِي حَدِيثِ ابْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»

 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 506)

وَقد قَالَ قوم: المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث أَن الله تَعَالَى خلق آدم على صُورَة هَذَا الْمَضْرُوب، فَيَنْبَغِي أَن يحترم لأجل آدم.

 

تخريج الحديث:

 

الأدب المفرد مخرجا (ص: 71) (رقم: 174)، مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 434) (9604)، السنن الكبرى للنسائي (6/ 489) (رقم: 7310)، مصنف عبد الرزاق الصنعاني (9/ 445) (رقم: 17952)، مسند الحميدي (2/ 271) (رقم: 1154)،

 

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/ 518) (862)

 

من فوائد الحديث:

 

فتح الباري لابن حجر (5/ 183)

قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الْإِدْرَاكُ بِأَعْضَائِهِ فَيُخْشَى مِنْ ضَرْبِهِ أَنْ تَبْطُلَ أَوْ تَتَشَوَّهَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا وَالشَّيْنُ فِيهَا فَاحِشٌ لِظُهُورِهَا وَبُرُوزِهَا بَلْ لَا يَسْلَمُ إِذَا ضَرَبَهُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ اه وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورٌ حَسَنٌ لَكِنْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ تَعْلِيلٌ آخَرُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ

 

شرح النووي على مسلم (11/ 129_130)

قَوْلُهُ (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمُ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ إِكْرَامًا لَهُ لِأَنَّ فِيهِ مَحَاسِنَ الْإِنْسَانِ___وَأَعْضَاءَهُ اللَّطِيفَةَ وَإِذَا حَصَلَ فِيهِ شَيْنٌ أَوْ أَثَرٌ كَانَ أَقْبَحَ

 

شرح النووي على مسلم (16/ 165)

قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَةٌ لَطِيفَةٌ وَأَكْثَرُ الْإِدْرَاكِ بِهَا فَقَدْ يُبْطِلُهَا ضَرْبُ الْوَجْهِ وَقَدْ يَنْقُصُهَا وقد يشوه الوجه والشين فيه فاحش لانه بَارِزٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ شَيْنٍ غَالِبًا وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ إِذَا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ عبده ضرب تأديب فليجتنب الوجه

 

فتح الباري لابن حجر (5/ 183)

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَأحمد من طَرِيق بن عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: (لَا تَقُولَنَّ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)،

وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَقُول لَهُ ذَلِك.

وَكَذَلِكَ أخرجه بن أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِه)." اهـ

 

فتح الباري لابن حجر (5/ 183)

وَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّوَوِيُّ لِحُكْمِ هَذَا النَّهْيِ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَطَمَ غُلَامَهُ فَقَالَ أَو مَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَرَمَةٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ." اهـ

 

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 116)

فَإِن قلت: مَا حكم هَذَا النَّهْي؟ قلت: ظَاهره التَّحْرِيم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سُوَيْد بن مقرن أَنه رأى رجلا لطم غُلَامه، فَقَالَ: أما علمت أَن الصُّورَة مُحرمَة؟ .

 

طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 17)

ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِاتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي ضَرْبِ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُفْصِحُوا عَنْ حُكْمِهِ وَصَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِوُجُوبِ ذَلِكَ.

 

سبل السلام (2/ 667)

الْحَدِيثَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَأَنَّهُ يُتَّقَى فَلَا يُضْرَبُ وَلَا يُلْطَمُ وَلَوْ فِي حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ، وَأَعْضَاؤُهُ لَطِيفَةٌ وَأَكْثَرُ الْإِدْرَاكِ بِهَا فَقَدْ يُبْطِلُهَا ضَرْبُ الْوَجْهِ، وَقَدْ يَنْقُصُهَا، وَقَدْ يَشِينُ الْوَجْهَ، وَالشَّيْنُ فِيهِ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ بَارِزٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ، وَمَتَى أَصَابَهُ ضَرْبٌ لَا يُسْلَمُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ، وَهَذَا النَّهْيُ عَامٌّ لِكُلِّ ضَرْبٍ وَلَطْمٍ مِنْ تَأْدِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ.

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (41/ 60)

وذِكر الخادم في بعض الروايات، والعبد في بعضها، ليس للتخصيص،

وإنما خَصّ؛ لأنَّ سبب ذِكره أن إنسانًا ضرب خادمه، وآخر عبده على وجهه،

فالسبب خاصّ، والحكم عامّ، فشمل الحكم إذا ضرب حدًّا، أو تعزيرًا لله، أو

لآدمي، وكذا الوليّ، والسيد، والزوج

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (41/ 61):

"فإنَّ الناس كلّهم بنو آدم، ودلّ على ذلك قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فإنَّ الله خلق آدم على صورته"؛ أي: على صورة وجه المضروب، فكأنّ اللاطم في وجه أَحَد وَلَد آدم لَطَم وجه أبيه آدم، وعلى هذا فيحرم لَطْم الوجه من المسلم والكافر..." اهـ ["المفهم" 6/ 597 - 598.]

 

طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 15)

[بَابُ اتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَات]

 

طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 16)

يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ضَرْبُ الْإِمَامِ أَوْ مَأْذُونِهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ، وَضَرْبُ الْإِنْسَانِ زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّأْدِيبِ،

وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: (بَابَ إذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ)، وَلَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ، بَلْ الْعَبْدُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِيثِ،

وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ حُكْمِ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ،

وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:

«شَهِدْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَغْلَتِهِ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ حُبْلَى فَقَالَتْ إنَّهَا قَدْ___بَغَتْ فَارْجُمْهَا» : الْحَدِيثَ وَفِيهِ «ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ ارْمُوهَا وَإِيَّاكُمْ وَوَجْهَهَا» لَفْظُ النَّسَائِيّ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد «ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ» ." اهـ

 

طرح التثريب في شرح التقريب (8/ 17)

قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ظَاهِرٌ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ؛ فَلِهَذَا الْمَعْنَى أَمَرَ بِإِكْرَامِهَا وَنَهَى عَنْ ضَرْبِهَا وَهَذِهِ الصِّيغَةُ دَالَّةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ارْتِبَاطٌ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَرُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَضْرِبُ عَبْدَهُ فِي وَجْهِهِ لَطْمًا وَيَقُولُ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَك فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» وَأَعَادَ بَعْضُهُمْ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَيَّدَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى___صُورَةِ الرَّحْمَنِ» وَلَكِنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ صَحِيحَةً قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَأَنَّ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ اهـ.

وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَلِلسَّلَفِ فِيهَا مَذْهَبَانِ:

(أَحَدُهُمَا) : وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِهِمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا.

(وَالثَّانِي) تَأْوِيلُهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَتَأْوِيلُهُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ إضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَاخْتِصَاصٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {نَاقَةَ اللَّهِ} [الشمس: 13] وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَعْبَةِ " بَيْتُ اللَّهِ " وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الصُّورَةَ قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ كَمَا يُقَالُ صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا أَيْ صِفَتُهَا كَذَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَخَصَّهُ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَةِ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ." اهـ

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (7/ 70)

من قاتل غيره أو ضرب عبده أن يجتنب الوجه إكرامًا لآدم؛ لمشابهة المضروب له، فلا يضرب صورة خلقها الله بيده، فانتسب إلى هذا العبد، ومراعاة لحق الأبوة، وتفضيل الله لها حين خلق آدم بيديه، وأسجد له ملائكته، والهاء راجعة فى قوله: (على صورته) للمضروب. قال المؤلف: وللناس تأويلات فى ضمير الهاء من صورته، إلى من ترجع؟ لم أر لذكرها وجهًا، إذ لا يصح عندى فى ذلك غير ما قاله المهلب.

 

وقال الحسين بن محمد بن سعيد اللاعيّ، المعروف بالمَغرِبي (المتوفى: 1119 هـ) في البدر التمام شرح بلوغ المرام (10/ 290_291):

"الحديث فيه دلالة على حرمة الوجه زيادة على سائر البدن، وأنه يترقى عن أن يصاب بضرب أو لطم ولو في حد، وذلك لأن الوجه لطيف مجمع المحاسن، وأعضاؤه نفيسة لطفة، وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه، وقد ينقصها، وقد يشوه الوجه، والشَّين فيه فاحش؛ لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب لا يسلم من شين غالبًا، ويدخل في النهي___ما إذا أراد تأديب الولد أو الزوجة أو العبد؛ فإنه يجب اجتناب الوجه.

 

التحبير لإيضاح معاني التيسير (7/ 25)

فالضارب لوجه أخيه ضارب لوجه أبيه آدم الذي هو مأمور بإكرامه، حتى إكرام ما كان على خلقته.

والوجه من كل حيوان منهي عن إهانته حتى "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وسم بهيمة في وجهها" [م]

واعتمد جُهَّال معالمة الكتاب صفع الصبي في وجهه وغيرهم من المربين للصبيان." اهـ

 

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (106/ 2116) عن جابر قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه).

 

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (108/ 2117) عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرَّ عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه".

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 369)

في هذا الحديث دليل على فوائد: منها: وجوب اتقاء الوجه عند المقاتلة، ويتفرع على هذا جواب سؤال، سألني عنه بعض الإخوة اليوم وهو ما يسمى بالملاكمة والمصارعة سألني عن الملاكمة والمصارعة هل تجوز؟

فقلت: أما المصارعة فهي جائزة بشرط ألا تكون على عِوض يعني: بشرط ألا يقول أحدهما للآخر: إن غلبتك فعليك كذا وكذا والعكس، أما الملاكمة فلا تجوز، لأنها خطيرة وأخبرني هو أن الملاكمة من قواعدها: أن يكون الضرب على الوجه خاصة.

إذن لا تجوز فهي محرمة من وجهين: أولاً: أنه يقصد بها الوجه قصداً أولياً وقد نهي عن ذلك، والثاني: أن فيها خطر لو ضرب هذا الملاكم أخاه على صدره أو على كبده أهلكه لاسيما وأنهم كما وصف يضربون بشدة وكأنهم يريدون أن يقفز بعضهم على بعض إذن فهي خطيرة.

ومن فوائد الحديث: أن الوجه هو جمال الإنسان، ولهذا أمر باتقائه عند المقاتلة، يتفرع من___

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (6/ 370)

هذا مسألة الحجاب، الحجاب الآن لا شك أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، وأن هذا مقتضى الحكمة، وأنه ليس من مقتضى الحكمة إطلاقاً أن يقال للمرأة: يجب عليك أن تستري قدميك ولا يجب أن تستري وجهك أيهما أشد فتنة؟

الوجه أشد فتنة، وأولى بالستر، والإنسان إذا خطب امرأة لا يقول للغير: ابحث لي عن قدمها وإنما يقول: عن وجهها، أما القدم فهو أمر ثان، صحيح أنه يقصد أن يكون جميلاً لكنه ليس هو الأولى، فكيف يقال: إن الوجه الذي هو محل الرغبة ومحط الفتنة لا بأس من كشفه وأما القدم يجب أن تستر كيف تأتي الشريعة بهذا؟ فإذا قالوا: جاءت الشيعة بهذا من أجل أن تهتدي المرأة إلى طريقها قلنا: هذه علة عليلة، لأنه ممكن أن تهتدي إلى طريقها بالنقاب أو بالخمار تضعه على نصف الوجه مثلاً، وأما أن تكشف هذا الوجه هذا حرام، ثم إن المرأة في الحقيقة قاصرة إذا أذن لها في كشف الوجه أتظنون أنها ستقتصر على الوجه بطبيعتها؟

أبداً، هي تريد أن تكون زهرة تدخل على الوجه تحسينات تحمر الشفاة وتشجير الحواجب ومكاييج وهلم جراً وهذا شيء مجرب تسمع عنه كثيراً فلو لم يكن من القول بوجوب ستر الوجه إلا أنه سد للذريعة لكان كافياً.

 

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ