شرح الحديث 44 من بلوغ المرام

 

44 - وَعَنْ جَابِرٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ:

"ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.

 

ترجمة جابر بن عبد الله:

 

الأعلام للزركلي (2/ 104_105):

"جابِر بن عبد الله (16 ق هـ - 78 هـ = 607 - 697 م):

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السملي: صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلم وروى عنه جماعة من الصحابة. له ولأبيه صحبة.

غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم.

روى له البخاري ومسلم___وغيرهما 1540 حديثا. وله (مسند - خ) مما رواه أبو عَبْد الرَّحْمن. عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. والنسخة قديمة نفسية، في خزانة الرباط، الرقم 221 كتاني (1) .

 

تخريج الحديث:

 

صحيح مسلم (2/ 886/ 147) (1218)، سنن أبي داود (2/ 182) (1905)، سنن الترمذي ت شاكر (3/ 207) (رقم: 862)، سنن النسائي (5/ 236) (رقم: 2962)، سنن ابن ماجه (2/ 1022) (رقم: 3074)

 

من فوائد الحديث:

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 236_237):

* ما يؤخذ من الحديث:

1 - الله تبارك وتعالى ذكر صفة الوضوء في آية المائدة، في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...} الآية [المائدة: 6]،

فرتَّب أعضاء الوضوء مبتدئًا بالوجه، فاليدين، فمسح الرأس، فغسل الرجلين؛ فترتيبه حسب هذا الترتيب الحكيم جاء في الآية الكريمة.

2 - أنَّ هذا الترتيب المذكور في الآية فرضٌ في الوضوء، فلو أتى به على غير هذا الترتيب، لم يصح وضوؤه، ومن الفقهاء من يصحِّحه.

3 - ممَّا استدلَّ به على لزوم هذا الترتيب، هو إدخال الممسوح _وهو الرَّأس_ بين مغسولين؛ فإنَّه لم يدخله بينهما إلاَّ مراعاةً لترتيب الأعضاء على هذه الكيفية، وعادة النصوص الكريمة البداءة بالأهم فالأهم.

4 - أمَّا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وبين غسل الوجه، والترتيب بين يدٍ وأُخرى، أو بين رجل وأخرى، أو بين الأُذنين والرَّأس، فالإجماع على أنَّه سنَّة لا واجب؛ لأنَّها بمنزلة عضو واحد؛ إلاَّ أنَّ تقديم اليمين أفضل كما تقدَّم.

5 - الحديث جاء في رواية: بالأمر بالبداءة، وفي روايةٍ أخرى: بالإخبار عن الفعل بالبداءة؛ فاجتمع فيه سنتان: أمره -صلى الله عليه وسلم- وفعله.

6 - الحديث ورد في الحج لتقديم الصفا على المروة؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، فيشرع أنْ يطبَّق في كلِّ أمرٍ رتَّبه الله تعالى، فيؤتى به على حسب ما رتَّبه الله تعالى.

المؤلِّف -رحمه الله تعالى- ساق هذه القطعة من حديث صفة حج النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ليبين أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الأمر -وإنْ كان قد ورد في مسألة السَّعي خاصَّة- لكنَّه بعموم الأمر لفظُهُ يدل على قاعدة كليَّةٍ تدخل تحتها آية الوضوء، وهو قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...} الآية، فيجب البداءة بما بدأ الله به.

 

الصلاة وأحكام تاركها (ص: 121)

فإذا ضممت قوله في هذا الحديث: "توضأ كما أمر الله" , إلى قوله في الصفا والمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله به": أفاد وجوب الوضوء على الترتيب الذي ذكره الله سبحانه. وقوله في الحديث: "اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت" , تقييد لمطلق قوله: "اقرأ بما تيسر معك من القرآن" , وهذا معنى قوله في الحديث: "وتقرأ بما شئت من القرآن" , وقال: "فإن كان معك قرآن وإلا فأحمد الله وكبره وهلله" , فألفاظ الحديث يبين بعضها بعضا وهي تبين مراده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يتعلق بلفظ منها ويترك بقيتها.

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 200)

وهكذا ينبغي لنا نحن إذا فعلنا ما أمر الله به أن نستشعر حين فعله أننا ممتثلون لأمر الله؛ لأن هذا يعطي الإنسان زيادة في الإخلاص واستحضار العبادة. عند الوضوء تشعر أنك إذا غسلت وجهك تمتثل لقول الله: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]. إذا غسلت يديك كذلك، عند الصلاة تستشعر أن الله أمرك بإقامتها، عند صلاة العصر تستشعر أنك تصلي الصلاة الوسطى التي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها بخصوصها، وهلم جرا.

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 201)

المهم: أنه ينبغي لنا أن نستشعر عند فعل الأوامر أننا نمتثل لأمر الله عز وجل وقوله - عليه الصلاة والسلام-: "أبدأ بما بدأ الله به" فيه إشارة إلى أن ما بدأ الله به هو أهم مما يليه وهو كذلك، ومن ثم قال العلماء - رحمهم الله- في آية الصافات: {إنما الصدقت للفقراء} [التوبة: 60]. إن الفقراء أشد حاجة من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم. وقوله: "بما بدأ الله به"؛ لأن الله قال: {إن الصفا والمروة}.

 

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (1/ 201_202):

"كذلك يستفاد من هذا الحديث: تقديم ما قدمه الله عز وجل حتى في الذكر سواء استدللت بقوله: "أبدأ" أو بقوله: "ابدءوا".

ومن فوائد هذا الحديث: اعتبار العموم دون خصوص السبب لقوله: "أبدأ بما بدا الله به" وهذا عام، وإن كان صورة المسألة التي قال فيها الرسول - عليه الصلاة والسلام- خاصة؛ لكن العبرة بعموم اللفظ.

ومن فوائد الحديث: العناية بتدبر القرآن وتقديم ما قدم وتأخير ما أخر، وبذلك نعرف أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قال:

{والسبقون الأولون من المهجرين والأنصار} [التوبة: 100].

فالمهاجرون أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم، ولأن المهاجرين - رضي الله عنهم- جمعوا بين الهجرة والنصرة، فهم نصروا النبي - عليه الصلاة والسلام- لا شك وهجروا من ديارهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يستفاد من هذا الحديث: وجوب الترتيب بين الأعضاء لقوله: "ابدءوا بما بدأ الله به"، فنغسل أولا الوجه ثم اليدين، ثم نمسح الرأس، ثم نغسل الرجلين، وهذا واضح.

واستنبط العلماء - رحمهم الله- دليل الترتيب من وجه آخر من نفس الآية، وهو أن الله - سبحانه وتعالى- أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولات، والقاعدة البلاغية تقتضي___أن يذكر الصنف بعضه إلى بعض، فالمغسول وحده والممسوح وحده، فلما أدخل الله الممسوح بين المغسولات، علم أنه لابد من الترتيب، وإلا لكانت تدفع المغسولات وحدها والممسوح وحده، لكنه لما أدخل الممسوح بين المغسولات، على أنه لابد من الترتيب، وهو كذلك.

فلو توضأ الإنسان منكسا فهل يصح وضوؤه؟ ينظر إن كان قصده التلاعب فإنه لا يصح منه ولا الوجه، وإن كان جاهلا أو ظانا أن الأمر لا بأس به؛ يعني: يعرف الترتيب لكن يظن أنه لا بأس بالمخالفة، فهذا نقول: صح منه الوجه ويعتبره أولا." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ