شرح الحديث 35_36 - الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه - صحيح الترغيب
|
2 - (الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه). 35 - (14) [صحيح] وروى البيهقي عن يعلى بن شدادٍ عن أبيه قال: "كنا نَعُدُّ الرياءَ في زَمَنِ النبي - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشركَ الأصغرَ."(2). __________ (2) قلت: ورواه الحاكم أيضاً (4/ 329) وقال: "صحيح".
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، فلو عزاه المصنِّف إليه كان أولى. |
ترجمة التابعي يعلى بن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري _رحمه الله_:
يعلى بن شداد بن
أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري : أبو ثابت المدني
المقدسي، من الوسطى من التابعين، روى له : د ق، (وهو صدوق)
شداد بن أوس بن
ثابت الأنصاري النجاري، أبو يعلى المدني ( ابن أخى حسان بن ثابت شاعر النبى )
ترجمة شداد بن بن ثابت الأنصاري النجاري _رضي الله عنهما_:
اسمه وكنيته
قال المزي في تهذيب الكمال :
( خ م د ت س ق ) : شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو يعلى ،
و يقال : أبو عبد الرحمن ، المدنى ، ابن أخى حسان بن ثابت شاعر النبى صلى الله
عليه وسلم له و لأبيه صحبة . و
أمه: امرأة
من بنى عدى بن النجار اسمها صريمة . نزل بيت المقدس و أعقب بها ، و بها مات . اهـ
أبوه :
و قال أحمد بن عبد الله بن البرقى : "وكان أوس بن ثابت شهد بدرا
و استشهد يومَ أحد . وتوفى شداد بن أوس بالشام .
و قال أبو القاسم الطبرانى : أوس بن ثابت الأنصارى عقبى و هو أخو
حسان بن ثابت، و هو أبو شداد بن أوس .
و قال المزى :
قال البخارى : "وقال بعضهم : شهد بدرا ، و لم يصح."
مناقبه:
وقال المفضل بن غسان الغلابى : (زهاد الأنصار ثلاثة: أبو الدرداء،
وشداد بن أوس، وعمير بن سعد. وكان عمر بن الخطاب ولاه حمص).
عن أسد بن وداعة : "كان شداد بن أوس إذا أخذ مضجعه من الليل كان
كالحبة على المقلى ، فيقول : (اللهم، إن النار قد حالت بينى و بين النوم ، ثم يقوم، فلا يزال يصلى حتى يصبح)."
اهـ
و قال سعيد بن عبد العزيز : (فُضِّلَ شدادُ بن أوس الأنصارى بخصلتين:
تبيان إذا نطق، ويكظم إذا غضب)
قال عبادة بن الصامت : (من الناس : من أُوْتِيَ
علما، ولم يؤت حلما. ومنهم : من أوتي حلما، ولم يؤت علما. ومنهم : من أوتي علما
وحلما. وإن شداد بن أوس : من الذين أتوا العلم و الحلم)
و قال محمد بن سعد : أخبرنى من سمع ثور بن يزيد يخبر عن خالد بن معدان
قال : (لم يبق من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالشام أحد كان أوثق و لا
أفقه ولا أرضى : من عبادة بن الصامت و شداد بن أوس).
خالد بن معدان بن أبى
كرب الكلاعى (ت : 103 هـ)، أبو عبد الله الشامى الحمصى، من الوسطى من التابعين، روى
له : خ م د ت س ق
و قال محمد بن مسلم بن وارة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن شداد بن محمد
بن شداد بن أوس : سمعت أبى يذكر عن أبيه ، عن جده ، عن شداد بن أوس : أنه كان عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يجود بنفسه ، فقال : ما لك يا شداد ؟ قال :
ضاقت بى الدنيا ، فقال : ليس عليك ، إن الشام يفتح و يفتح بيت المقدس
فتكون أنت وولدك أئمة فيهم إن شاء الله .
أولاده:
و قال أبو الحسن بن جوصى ، عن أبى عبد الرحمن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عمرو بن محمد
بن شداد بن أوس : حدثنى أبى عن أبيه ، عن جده ، قال : كانت كنية شداد أبو يعلى.
وكان له خمسة أولاد: أربعة بنين و بنت. و كان أكبرهم يعلى، ثم محمد، وعبد الوهاب،
والمنذر، فمات شداد، وعبد الوهاب و المنذر صغيران،
و لم يعقب يعلى و أعقبوا كلهم ، و كانت البنت اسمها خزرج تزوجت فى
الأزد.
وفاته:
محمد بن عمرو : و
توفى شداد سنة أربع و ستين (64 هـ)
و قال إبراهيم بن المنذر الحزامى ، و محمد بن سعد ، و أبو بكر بن أبى
خيثمة ، وأبو حاتم الرازى ، وأبو عمر بن عبد البر ، و غير واحد : مات بالشام سنة
ثمان و خمسين (58 هـ)، و هو ابن خمس و سبعين .
قال أبو عمر : و يقال : مات سنة إحدى و أربعين ، و يقال : سنة أربع و
ستين .
روى له الجماعة . اهـ .
قال الحافظ في تهذيب التهذيب 4 / 315 :
و قال ابن حبان : قبره ببيت المقدس ، و مات سنة ثمان و خمسين .
و قال أبو نعيم فى " الصحابة " : توفى بفلسطين فى أيام
معاوية ، و عقبه ببيت
المقدس . اهـ .
تخريج الحديث :
أخرجه البزار في مسنده = البحر الزخار (8/ 406)
(رقم : 3481)، والطبري في "تهذيب الآثار" - مسند عمر (2/ 796) (رقم: 1119)،
وابن قانع البغدادي في معجم الصحابة (1/ 34)، والطبراني في المعجم الأوسط (1/ 70)
(رقم : 196)، وفي المعجم الكبير (7/ 289) (رقم : 7160)، وفي مسند الشاميين (3/
230) (رقم : 2146)، وابن الأعرابي في معجمه (3/ 1044) (رقم: 2246)، والحاكم في
المستدرك على الصحيحين (4/ 365) (رقم : 7937)، والبيهقي في شعب الإيمان (9/ 165)
(رقم : 6425)[1]
والحديث صحيح: صححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (1/ 121) (رقم: 35)
|
36
- (15) [حسن لغيره] وعن أبي علي -رجلٍ من بني كاهلٍ- قال: خطبَنا
أبو موسى الأشعريُّ فقال: "يا أيها الناسُ! اتَّقوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ
النملِ." فقام
إليه عبدُ الله بن حَزَن، وقيسُ بن المُضارِب فقالا: "والله، لَتخْرُجَنَّ مما قلتَ، أو لنأتينَّ
عُمَرَ مأذوناً لنا أو غيرَ مأذونٍ"، فقال:
"بل، أخرجُ مما قُلتُ، خطبنا رسولُ الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_
ذات يومٍ، فقال: «يا
أيها الناسُ! اتّقُوا هذا الشركَ؛ فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ» فقال
له من شاءَ اللهُ أن يقولَ: "وكيف نَتَّقيه، وهو أخفى من دبيبِ النملِ، يا
رسول الله!" قال:
«قولوا: (اللهمَّ إنّا نَعوذُ بك من أنْ نُشركَ
بك شيئاً نَعلمُه، ونستغفرُكَ لما لا نعلمُه)». رواه
أحمد والطبراني. ورواته
إلى أبي علي محتج بهم في "الصحيح"، وأبو علي وثقه ابن حبان، ولم أرَ
أحداً جرحه. (1) __________ (1) عقب هذا في الأصل ما نصه: "ورواه أبو يعلى بنحوه من
حديث حذيفة؛ إلا أنه قال فيه: "يقول كل يوم ثلاث مرات"، ولما كان
إسنادها ضعيفاً جداً، فقد حذفته من الحديث وَفَاءً بشرطنا في هذا الكتاب، ولم أر
من الفائدة ذكرها لوحدها أو مع الحديث لما ذكرته في المقدمة، وقد خرجته لهذا
لزيادة في "الضعيفة" برقم (3755)، ثم
إن الجزم بأنه من مسند حذيفة؛ فيه نظر، لأنه في "أبي يعلى" (1/ 60 -
61)[2]
بسنده الواهي عن حذيفة عن أبي بكر - إما حضر ذلك حذيفة
من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإما أخبره أبو
بكر". وأخرجه
البخاري في "الأدب المفرد" (716)[3]
دون قول "إما حضر. . " إلخ، وليس فيه (الثلاث). |
ترجمة أبي موسى الأشعري -رضي
الله عنه-
الأعلام للزركلي (4/ 114)
أَبُو مُوسى الأشْعَري
(21 ق هـ - 44 هـ = 602 - 665 م)
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار ابن حرب، أبو
موسى، من بني الأشعر، من قحطان: صحابي، من الشجعان الولاة الفاتحين، وأحد الحكمين
اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين. ولد في زبيد (باليمن) وقدم مكة عند
ظهور الإسلام، فأسلم، وهاجر إلى إلى أرض الحبشة. ثم استعمله رسول الله صلّى الله
عليه وسلم على زبيد وعدن. وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة 17 هـ فافتتح أصبهان
والأهواز. ولما ولي عثمان أقره عليها. ثم عزله، فانتقل إلى الكوفة، فطلب أهلها من
عثمان توليته عليهم، فولاه، فأقام بها إلى أن قتل عثمان، فأقره عليّ.
ثم كانت وقعة الجمل وأرسل عليّ يدعو أهل الكوفة
لينصروه، فأمرهم أبو موسى بالقعود في الفتنة، فعزله عليّ، فأقام إلى أن كان
التحكيم وخدعه عمرو بن العاص، فارتد أبو موسى إلى الكوفة، فتوفي فيها. وكان أحسن
الصحابة صوتا في التلاوة، خفيف الجسم، قصيرا. وفي الحديث: (سيد الفوارس أبو موسى)[4].
له 355 حديثا
تخريج الحديث :
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 70)
(رقم : 29547)، وأحمد في "مسنده" (32/ 383) (رقم : 19606)، والطبراني في
"المعجم الأوسط" (4/ 10) (رقم : 3479).
من فوائد الحديث:
فتح الباري لابن رجب (1/ 146_147):
"وكذلك الشرك:
* منه ما ينقل عن الملة، واستعماله في ذلك كثير في
الكتاب والسنة.
* ومنه: ما لا ينقل، كما جاء في الحديث: " من
حلف بغير الله فقد أشرك " ِ [ت 1535]، وفي الحديث: " الشرك في هذه الأمة
أخفى من دبيب النمل "، وسمي الرياء: شركا.___
وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف: 106] قال: إن أحدهم يشرك
حتى يشرك بكلبه: لولا الكلب لسرقنا الليلة، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو
لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل.
وقيل للحسن: يشرك بالله؟ قال: لا؛ ولكن أشرك بذلك
العمل عملا يريد به الله والناس، فذلك يرد عليه." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (40/ 527_528):
"الرياء هو من جنس الشرك، أو مبدأ
الشرك. والشرك أعظم الفساد، كما أن التوحيد أعظم الصلاح، ولهذا قال
تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)} [القصص: 4] إلى أن ختم
السورة بقوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا}
[القصص: 83]، وقال: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ___مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)} [الإسراء: 4]، وقال: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، وقالت
الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].
فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك
والكفر، كما
قال عن المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
(11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} [البقرة: 11 - 12]، وذلك أن
صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له، وبه المقصود
الذي يراد منه." اهـ
المدخل لابن الحاج (3/ 41_42):
"وَاعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ
وَإِيَّاكَ - :
أَنَّ آكَدَ مَا عَلَى الْمُرِيدِ فِي ابْتِدَاءِ
أَمْرِهِ التَّحَفُّظُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي
تَعْتَوِرُهُ فِيمَا هُوَ بِصَدَدِهِ إذْ أَنَّ الْعَوَائِقَ كَثِيرَةٌ ظَاهِرًا،
وَبَاطِنًا فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَنْعِ الْوُصُولِ إلَى مَا تَقَدَّمَ
ذِكْرُهُ،
فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ أَوَّلًا بِالْجِدِّ
وَالِاجْتِهَادِ فِي التَّحَرُّزِ مِمَّا ذُكِرَ لِيَسْلَمَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
وَصْفُهُ: فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَتَّقِيَ الرِّيَاءَ، وَالْعُجْبَ،
وَالشُّهْرَةَ، وَالْكِبْرَ؛ لِأَنَّهُ سُمٌّ قَاتِلٌ،
أَدْنَى الْأَشْيَاءِ مِنْهُ يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ
كُلَّهَا، وَقَدْ يَخْفَى فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى مِنْ
دَبِيبِ النَّمْلِ كَمَا وَرَدَ لَكِنْ يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ.
وَتَظْهَرُ آفَاتُهُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ
الْإِمَامُ يُمْنُ بْنُ رِزْقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ أَنْ قَالَ: (أَصْلُ
الْعَبْدِ لَمْ يَزَلْ مُذْ نَشَأَ مُرَائِيًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَذَلِكَ
لِمَيْلِهِ إلَى الدُّنْيَا، وَإِيثَارِهِ لَهَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَإِهْمَالِهِ
نَفْسَهُ، وَإِرْسَالِهِ نِيَّتَهُ.
فَلَمَّا أَهْمَلَ نَفْسَهُ، وَقَلَّتْ
مُحَاسَبَتَهُ لَهَا، لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ الرِّيَاءِ، فَعَمِلَ لِلدُّنْيَا
عَلَى غَيْرِ أَصْلِ نِيَّةٍ ثَابِتَةٍ.
قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ إهْمَالِ النَّفْسِ،
وَتَضْيِيعِ الْأَعْمَالِ، فَقَالَ اللَّهُ _تَبَارَكَ وَتَعَالَى_:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]
فَنَهَاهُمْ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إضَاعَةِ
الْأَعْمَالِ فَلَا يَكُونُ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا عَنْ إرَادَةٍ، وَلَا
تَكُونُ الْإِرَادَةُ إلَّا عَنْ نِيَّةٍ.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ
إضَاعَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيُّ عَمَلٍ أَكْبَرُ مِنْ الْإِرَادَةِ،
وَالنِّيَّةِ،
وَقَدْ وَجَدْنَا الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ
حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ، وَالْحَرَكَةُ، وَالسُّكُونُ جَمِيعُهَا عَمَلٌ، وَقَدْ
نَهَى اللَّهُ عَنْ تَضْيِيعِ الْعَمَلِ،
فَلَمَّا تَرَكَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ
إخْلَاصِ الْعَمَلِ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الرِّيَاءِ، وَغَيْرِهِ، وَأَمْرَجَ
نَفْسَهُ، فَعَمِلَ عَلَى مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ،
وَجَمِيعُ مَا يَتَقَلَّبُ فِيهِ رِيَاءٌ مَحْضٌ
ظَاهِرٌ لَا يَعْرِفُهُ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَعْرِفُهُ مِنْهُ مَنْ نَوَّرَ
اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ،
فَهُمْ يَرَوْنَ فِعْلَهُمْ فِعْلَ أَهْلِ
الرِّيَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ صَاحِبِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَلَوْ
أَنَّهُ___أَبْدَى إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عُيُوبِهِ لَنَفَرَ مِنْهُ، وَذَبَّ عَنْ
نَفْسِهِ، وَأَبْطَلَ مَا نَسَبَهُ إلَيْهِ فَصَارَ عَدُوًّا مُشَاحِنًا،
وَأَقَلُّ مَا يَقُولُ لِلْعَارِفِ بِعُيُوبِهِ: (حَسَدْتنِي)،
فَلَمَّا عَلِمَ الْحَكِيمُ أَهْلَ زَمَانِهِ،
وَأَنَّ زَمَانَهُ زَمَانُ غَلَبَةِ الْهَوَى، وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ
بِرَأْيِهِ، اعْتَزَلَ بِنَفْسِهِ، وَنَفَرَ عَنْ الْعَامَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ
زَمَانٌ قَدْ صَارَ الْمَعْرُوفُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِهِ مُنْكَرًا، وَأَنَّ
الشَّرَّ قَدْ أَحَاطَ بِالْخَيْرِ، وَاعْتَزَلَ أَهْلَ زَمَانِهِ بِصِدْقِ
الْإِرَادَةِ.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الصِّدْقُ، وَمَا فِيهِ،
وَأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصْفُو إلَّا بِالصِّدْقِ، اتَّقى الْكَذِبَ، وَفُنُونَهُ
كُلَّهَا، وَتَشَوَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ نَفْسُهُ إلَى الْكَذِبِ، وَالرِّيَاءِ
لِحَلَاوَةِ فُنُونِهِ عِنْدَهَا فَأَخَذَهَا بِالْجِدِّ، وَالِاجْتِهَادِ فِي
تَرْكِ ذَلِكَ.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَتْ
مُنْقَادَةً، فَلَمَّا صَارَتْ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَرَأَى الْعَبْدُ ذَلِكَ
مِنْهَا ازْدَادَ إلَى الصِّدْقِ تَشَوُّقًا، وَازْدَادَ لِلْكَذِبِ مَقْتًا.
وَإِنَّمَا كَانَ يَنْفِرُ الصِّدْقُ، وَفُنُونُهُ
مِنْ قَلْبِهِ لِغَلَبَةِ الْكَذِبِ، وَفُنُونِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الرِّيَاءُ،
وَالْعُجْبُ، وَحُبُّ الرِّيَاسَةِ، وَاِتِّخَاذُ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ،
وَالْمَحْمَدَة، وَالْعِزَّة، وَالتَّعْظِيم، وَالتَّخْيِيرِ فِي الْأَعْمَالِ
الْكَاذِبَةِ
فَمَنْ عَمِلَ بِالصِّدْقِ، وَاتَّقَى الْكَذِبَ
بَرِئَ مِنْ الرِّيَاءِ، وَالْعُجْبِ، وَدَوَاعِي الشَّرِّ كُلِّهِ. فَإِذَا خَلَا
مِنْ ذَلِكَ ثَبَتَ الصِّدْقُ، وَفُنُونُهُ فِي قَلْبِهِ." اهـ
التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 536)
فإنه لا أثر له في الصفا أو من سماعه فإنه لا يسمع
فكذلك الشرك الخفي لا يدركه الغير من قاصده أو لا يدركه فاعله، فيتحذر عنه ويحترز
عن أسبابه." اهـ
فيض القدير (4/ 173)
قال الغزالي: ولذلك عجز عن الوقوف على غوائله
سماسرة العلماء فضلا عن عامة العباد وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها،
وإنما يبتلى به العلماء والعباد المشمرون عن ساق
الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم مهما نهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات
وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في
المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير، وإظهار
العمل والعلم، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه
بعين الوقار والتعظيم، فنازعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى إطلاع الخلف ولم تقنع
بإطلاع الخالق وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه
للشهوات وتوقيه للشبهات وتحمله مشقات العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء
وبالغوا في الإعزاز ونظروا إليه بعين الاحترام وتبركوا بلقائه ورغبوا في بركته
ودعائه وفاتحوه بالسلام والخدمة وقدموه في المجالس والمحافل وتصاغروا له فأصابت
النفس في ذلك لذة هي من أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات فاستحقرت فيه ترك
المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذة
اللذات وشهوة الشهوات فهو يظن أن حياته بالله وبعبادته المرضية وإنما حياته لهذه
الشهوة الخفية التي يعمى عن دركها إلا العقول النافذة القوية ويرى أنه يخلص في
طاعة رب العالمين وقد أثبت اسمه في جريدة المنافقين (وسأدلك على شيء إذا فعلته
أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره)." اهـ
التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 538):
"فيه أنه يستغفر عن المعاصي التي لا
يعلمها العبد وأنه قد يؤخذ بما لا يعلمه لتفريطه في التحرز عنه." اهـ
وقال البخاري _رحمه الله_ في "الأدب المفرد"
(ص: 249):
(296_ بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ)
[1] وفي شعب الإيمان (9/ 165) (رقم : 6426)
[2] أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده (1/ 60) (رقم : 58)، وابن السني
في عمل اليوم والليلة (ص: 250) (رقم : 286)، وهو حديث ضعيف
[3] في الأدب المفرد (ص: 377) (رقم : 716) - عن معقل بن يسار قال
انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ
لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ
الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخر؟ قال النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ
دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ
قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ
أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لما لا أعلم)
صحيح ـ «الضعيفة» تحت رقم (3755) , (التعليق
الرغيب» (1/39ـ 40) : (ليس في شيء من الكتب الستة)
[4] أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (4/107)،
وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"
(5/ 288) (رقم: 2262)
Komentar
Posting Komentar