الحديث التاسع والستون من كتاب بهجة قلوب الأبرار

 

 

الحديث التاسع والستون: احتراز المؤمن ويقظته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُلْدَغ المؤمن من جُحْرٍ واحدٍ مرتين" متفق عليه

 

تخريج الحديث:

أخرجه البخاري في صحيحه (8/ 31) (رقم: 6133)، ومسلم في صحيحه (4/ 2295) (رقم: 2998)، وأبو داود في سننه (4/ 266) (رقم: 4862) وابن ماجه في سننه (2/ 1318) (رقم: 3982).

 

شرح رياض الصالحين (6/ 646)

فدل ذلك على أن الإنسان ينبغي له أن يكون فطنا وألا يعود لشيء أصابه منه ضرر بل يكون مؤمنا لأن هذا من كمال الإيمان والله الموفق


 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 329_330):

"قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: هُوَ لفظ خبر وَمَعْنَاهُ الْأَمر، يَقُول: ليكن الْمُؤمن___حازما حذرا، لَا يُؤْتى من نَاحيَة الْغَفْلَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (45/ 269)

قال ابن بطال: وفيه أدب شريف، أَدّب به

النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أمته، ونبّههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته، وفي معناه

حديث: "المؤمن كَيِّسٌ حَذِرٌ"، أخرجه صاحب "مسند الفردوس" من حديث أنس

بسند ضعيف،

 

قال المؤلف ابن ناصر السعدي _رحمه الله_ في "بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار" – ط. الوزارة (ص: 141_142):

 

"هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم: لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها، وأنه متى وقع في شيء منها، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة.

 

ومن تمام توبته: أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر، لما أصابه فيه أول مرة.

 

وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات، ويرغبه فيها، ويحزنه لفواتها، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه.

 

وفي هذا الحديث: الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور. ومن لوازم ذلك: تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها، والأسباب الضارة ليتجنبها.

 

ويدل على الحث على تجنب أسباب الريب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر. وعلى أن الذرائع معتبرة.___

 

وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي، فقال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]

 

تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (19/ 133)

يقول تعالى ذكره: يذكِّرُكم الله وينهاكم بآي كتابه، لئلا تعودوا لمثل فعلكم الذي فعلتموه في أمر عائشة من تلقِّيكم الإفك

 

تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 29)

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} أَيْ: يَنْهَاكُمُ اللَّهُ متوعِّدًا أَنْ يَقَعَ مِنْكُمْ مَا يُشْبِهُ هَذَا أَبَدًا، أَيْ: فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. فَلِهَذَا قَالَ: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَتُعَظِّمُونَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالْكُفْرِ فَذَاكَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ.

 

تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 564)

{يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} أي: لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} دل ذلك على أن الإيمان الصادق، يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات.

 

ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم، وتحذيره وحذره عنه أبلغ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة.

 

وفي الحديث: «الأناة من الله، والعجلة من الشيطان»،

«ولا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» والله أعلم.

 

تحفة الأحوذي (6/ 129)

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَالْأَنَاءَةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ

 

تحفة الأحوذي (6/ 129)

قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ :

"أَيْ: هُوَ الْحَامِلُ عَلَيْهَا بِوَسْوَسَتِهِ، لِأَنَّ الْعَجَلَةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّثَبُّتِ، وَالنَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ. وَذَلِكَ مُوقِعٌ فِي الْمَعَاطِبِ، وَذَلِكَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَتِهِ.

وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُرَقَّشُ:

(يَا صَاحِبَيَّ تَلَوَّمَا لَا تَعْجَلَا - إِنَّ النَّجَاحَ رَهِينُ أَنْ لَا تَعْجَلَا)،

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : "لَا يَزَالُ الْمَرْءُ يَجْتَنِي مِنْ ثَمَرَةِ الْعَجَلَةِ : النَّدَامَةَ"

ثُمَّ الْعَجَلَةُ الْمَذْمُومَةُ مَا كَانَ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ وَمَعَ عَدَمِ التَّثَبُّتِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْفَوْتِ،

وَلِهَذَا قِيلَ لِأَبِي الْعَيْنَاءِ: "لَا تَعْجَلْ، فَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ."

فَقَالَ: "لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا قَالَ مُوسَى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]

والحزم ما قال بعضهم : "لاتعجل عَجَلَةَ الْأَخْرَقِ، وَلَا تُحْجِمْ إِحْجَامَ الْوَانِي الْفَرِقِ انْتَهَى

قِيلَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا شُبْهَةَ فِي خَيْرِيَّتِهِ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَات} [الأنبياء: 90]

قال القارىء : "بَوْنٌ بَيْنَ الْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّاعَاتِ وَبَيْنَ الْعَجَلَةِ فِي نَفْسِ الْعِبَادَاتِ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُودٌ وَالثَّانِي مذموم انتهى." اهـ

 

وفي سنن الترمذي ت شاكر (4/ 367) (رقم: 2012) :

حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ المَدَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ : «الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»:

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عَبْدِ المُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وَالْأَشَجُّ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ.

ضعفه الألباني في تخريج المشكاة (5055 / التحقيق الثاني) // ضعيف الجامع الصغير (2300)

 

لكن ورد في السنن الكبرى للبيهقي (10/ 178) (رقم: 20270) :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " التَّأَنِّي مِنَ اللهِ , وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ "

وأخرجه: أبو يعلى الموصلي في مسنده (7/ 247) (رقم: 4256)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (ص: 228) (رقم: 686)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (4/ 404) (رقم: 1795)

 

سنن الترمذي ت شاكر (4/ 379)

2033 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ»

ضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (12/ 330) (رقم: 5646):

"قال___الحافظ في " التقريب " ملخصا أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه - كعادته -: " صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف." اهـ

 

تحفة الأحوذي (6/ 153_154):

(لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وسكون المثلثة قال القارىء أَيْ صَاحِبُ زَلَّةِ___قَدَمٍ أَوْ لَغْزَةِ قَلَمٍ فِي تَقْرِيرِهِ أَوْ تَحْرِيرِهِ وَقِيلَ أَيْ لَا حَلِيمَ كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ الْخَطَأُ وَالتَّخَجُّلُ فَعُفِيَ عَنْهُ فَعَرَفَ بِهِ رُتْبَةَ الْعَفْوِ فَيَحْلُمُ عِنْدَ عَثْرَةِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ثَابِتَ الْقَدَمِ انْتَهَى

(وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ) أَيْ صَاحِبَ امْتِحَانٍ فِي نَفْسِهِ وفي غيره قال القارىء قَالَ الشَّارِحُ أَيْ لَا حَكِيمَ كَامِلًا إِلَّا مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَلِمَ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ إِذِ الْحِكْمَةُ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَإِصْلَاحُهُ عَنِ الْخَلَلِ انْتَهَى

قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَا حَلِيمَ إِلَّا وَقَدْ يَعْثِرُ كَمَا قِيلَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ الْحَلِيمِ وَلَا حَكِيمَ مِنَ الْحُكَمَاءِ الطِّبِّيَّةِ إِلَّا صَاحِبُ التَّجْرِبَةِ فِي الْأُمُورِ الدَّائِبَةِ وَالذَّاتِيَّةِ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ