شرح الحديث 72 من بهجة قلوب الأبرار
|
الحديث الثاني
والسبعون: ذمّ الْكِبْرِ. عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ _رضي الله عنه_ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: (لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْر) فَقَالَ
رَجُلٌ: "إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثوبه حسناً، ونعله حسناً؟ فقال: (إِنَّ
اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الكبْر: بَطْر الحق، وغَمْط الناس) رواه مسلم |
أخرجه (مسلم) رحمه الله في "الإيمان"
[41/ 272 و 273 و 274] (91)، و (أبو داود) في "اللباس" (4091)، و
(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (1998 و 1999)، و (ابن ماجه) في
"المقدّمة" (59) وفي "الزهد" (4173)، و (ابن أبي شيبة) في
"مصنّفه" (9/ 89)، و (أحمد) في "مسنده" (1/ 399 و 412 و 416 و
451)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (85)، و (أبو نعيم) في
"مستخرجه" (265 و 266)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص 384)،
و (ابن حبّان) في "صحيحه" (224)، و (ابن منده) في "الإيمان"
(540 و 541 و 542)، و (الطبرانيّ) (10000 و 10001 و 10066 و 10533)، و (الحاكم) في
"المستدرك" (1/ 26)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (3587)،
والله تعالى أعلم.
|
وقال السعدي
_رحمه الله_ في بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 147): "قد أخبر
الله تعالى: أن النار مثوى المتكبرين، وفي هذا الحديث أنه: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كبر» فدل على أن
الكبر موجب لدخول النار، ومانع من دخول الجنة. وبهذا التفسير
الجامع الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم يتضح هذا المعنى غاية الاتضاح، فإنه
جعل الكبر نوعين: النوع
الأول: كِبْرٌ على الحق، وهو رده وعدم قبوله، فكل من رد
الحق فإنه مستكبر عنه بحسب ما رد من الحق. وذلك أنه فرض على العباد أن يخضعوا
للحق الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه. فالمتكبرون عن
الانقياد للرسل بالكلية كفار مخلدون في النار؛ فإنه جاءهم الحق على أيدي الرسل
مؤيدا بالآيات والبراهين. فقام الكبر في
قلوبهم مانعا، فردوه. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ
اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا
هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] وأما
المتكبرون عن الانقياد لبعض الحق الذي يخالف رأيهم وهواهم، فهم - وإن لم يكونوا
كفارا - فإن معهم من موجبات العقاب بحسب ما معهم من الكبر، وما تأثروا به من
الامتناع عن قبول الحق الذي تبين لهم بعد مجيء____الشرع به. ولهذا أجمع
العلماء أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحل له أن يعدل
عنها لقول أحد، كائنا من كان. فيجب على طالب
العلم أن يعزم عزما جازما على تقديم قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم على
قول كل أحد، وأن يكون أصله الذي يرجع إليه، وأساسه الذي يبني عليه، الاهتداء
بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد في معرفة مراده، واتباعه في ذلك،
ظاهرا وباطنا. فمتى وفق لهذا
الأمر الجليل فقد وفق للخير، وصار خطؤه معفوا عنه ; لأن قصده العام اتباع الشرع.
فالخطأ معذور فيه إذا فعل مستطاعه من الاستدلال والاجتهاد في معرفة الحق، وهذا
هو المتواضع للحق. وأما
الكبر على الخلق - وهو النوع الثاني -: فهو غمطهم واحتقارهم وذلك ناشئ عن عجب
الإنسان بنفسه، وتعاظمه عليهم. فالعُجْب بالنفس يحمل على التكبر على الخلق،
واحتقارهم والاستهزاء بهم، وتنقيصهم بقوله وفعله. وقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [م]. ولما قال هذا
الرجل: «إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونعله حسنا» [م] وخشي أن يكون
هذا من الكبر الذي جاء فيه الوعيد: بين له النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذا ليس
من الكبر، إذا كان صاحبه منقادا للحق، متواضعا للخلق، وأنه من الجمال الذي يحبه
الله ; فإنه تعالى جميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يحب الجمال الظاهري
والجمال الباطني. فالجمال
الظاهر: كالنظافة في الجسد، والملبس، والمسكن، وتوابع ذلك. والجمال
الباطن: التجمل بمعاني الأخلاق ومحاسنها.___ ولهذا كان من
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي
لأحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت».
والله أعلم. |
سنن النسائي (2/ 129) (رقم: 896):
عَنْ جَابِرِ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا
اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ
اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي
لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئَ
الْأَخْلَاقِ لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ»
وفي "البحر المحيط
الثجاج" (3/ 101_102) للإثيوبي:
"في فوائده:
1 - (منها):
بيان تحريم الكبر، وأنه من الكبائر التي توجب لصاحبها دخول النار، وأنه ينافي
الإيمان، ولذا مُنِع من كان عنده مثقال ذرّة من كبر من دخول الجنة، مع أن من كان
عنده مثقال حبة خردل من إيمان يدخل الجنة، فعُلِم بهذا أنه مناف للإيمان، وهو وجه
إيراد المصنّف له في "كتاب الإيمان".
2 - (ومنها):
بيان فضل الإيمان، وأنه سبب لدخول صاحبه الجنة، وتحريمه على النار.
3 - (ومنها):
بيان زيادة الإيمان ونقصانه.
4 - (ومنها):
بيان أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، وإن كان عمله قليلًا، كمثقال ذرّة، أو
حبة خردل، كما قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ
تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)}
[النساء: 40].
5 - (ومنها): أن
الجميل اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، وقد قال به جماعة، وهو الحقّ، وسيأتي
تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.___
6 - (ومنها): إباحة التجمّل
بلبس الثياب الجميلة، والنعال الجميلة، لكن بشرط أن يخلو ذلك من الْمَخِيلة،
والإسراف؛ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"كُلُوا، وتَصَدَّقوا، والْبَسُوا في غير إسراف ولا مَخِيلة"، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
Komentar
Posting Komentar