الحديث 17 من رياض الصالحين

 

[18] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ _رضيَ اللهُ عنهما_:

عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ :

«إِنَّ الله - عز وجل - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ[1]» .

رواه الترمذي[2]، وَقالَ : «حديث حسن».


ترجمة صحابي الحديث:

عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى ، أبو عبد الرحمن المكى ثم المدنى ، أسلم قديما مع أبيه و هو صغير لم يبلغ الحلم ، و هاجر معه ، و قدمه فى ثقله ، و استصغر يوم أحد ، و شهد الخندق و ما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

و هو شقيق حفصة أم المؤمنين ، أمهما زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون . اهـ .

و قال المزى :

قالت حفصة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عبد الله رجل صالح " .

و قال عبد الله بن مسعود : أن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر .

و قال جابر بن عبد الله : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به و مال بها ، إلا

عبد الله بن عمر .

و قال سعيد بن المسيب : مات ابن عمر يوم مات ، و ما فى الأرض أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل عمله منه .

و قال الزهرى : لا نعدل برأى ابن عمر ، فإنه أقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين سنة ، فلم يخف عليه شىء من أمره ، و لا من أمر أصحابه .

و قال مالك : بلغ ابن عمر ستا و ثمانين سنة ، وافى فى الإسلام ستين سنة تقدم عليه وفود الناس .

و قال نافع ، عن ابن عمر : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ،

و أنا ابن ثلاث عشرة ، فردنى ، و عرضت عليه يوم أحد ، و أنا ابن أربع عشرة

فردنى ، و عرضت عليه يوم الخندق و أنا ابن خمس عشرة فأجازنى .

و قال الزبير بن بكار : هاجر و هو ابن عشر سنين ، و شهد الخندق و هو ابن خمس

عشرة ، و مات سنة ثلاث و سبعين .

و كذلك قال أبو نعيم ، و أبو بكر بن أبى شيبة ، و أحمد بن حنبل و غيره واحد فى

تاريخ وفاته .

و قال الواقدى ، و كاتبه محمد بن سعد ، و خليفة بن خياط ، و غير واحد : مات سنة أربع و سبعين .

قال أبو سليمان بن زبر : و هذا أثبت ، أن ابن عمر مات فى هذه السنة ، و أن

أبا نعيم قد أخطأ فى ذكره فى سنة ثلاث و سبعين ، فإن رافع بن خديج مات سنة أربع ، و ابن عمر حى و حضر جنازته .

و قال رجاء بن حيوة : أتانا نعى ابن عمر ، و نحن فى مجلس ابن محيريز ، فقال :

ابن محيريز : والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أمانا لأهل الأرض .

و مناقبة و فضائلة كثيرة جدا .

روى له الجماعة . اهـ .

ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ

 قال الحافظ في تهذيب التهذيب 5 / 330 :

و قال ابن يونس : شهد فتح مصر .

و قال أبو نعيم الحافظ : أعطى ابن عمر القوة فى الجهاد ، و العبادة ، و البضاع ، و المعرفة بالآخرة ، و الإيثار لها ، و كان من التمسك بآثار النبى صلى الله عليه و آله وسلم بالسبيل المتين ، و ما مات حتى أعتق ألف إنسان أو أزيد ،

و توفى بعد الحج .

و روى عن المسيب أنه شهد بدرا .

و قال ابن مندة : شهدها ، و شهد أحدا من غير إجازة .

و ذكر الزبير : أن عبد الملك لما أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه

ذلك فأمر رجلا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة ، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه ، فمرض منها أياما ثم مات رضى الله عنه . اهـ .

 

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه الترمذي في سننه (5/ 547) (رقم : 3537) وابن ماجه في سننه (2/ 1420) (رقم : 4253)،  وابن الجعد في مسنده (ص: 489) (رقم : 3404)، وأحمد في مسنده (10/ 300) (رقم : 6160)، وعبد بن حميد الكشي في المنتخب، ت. صبحي السامرائي (ص: 267) (رقم : 847)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (9/ 462 و 10/ 81) (رقم : 5609 و 5717)، والخرائطي في اعتلال القلوب (1/ 35) (رقم : 57)، وابن حبان في صحيحه (2/ 394) (رقم : 628)، والطبراني في مسند الشاميين (1/ 124 و 4/ 347) (رقم : 194 و 3519)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/ 286) (رقم : 7659)، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 190)، والبيهقي في شعب الإيمان (9/ 281) (رقم : 6661)

 

والحديث حسن : حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 218) (رقم : 3143)

 

من فوائد الحديث :

 

شرح النووي على مسلم (2/ 45) :

"وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ : أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَيَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا، وَيَعْزِمَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا.

فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، لَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ. وَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِآخَرَ، صَحَّتْ تَوْبَتُهُ. هَذَا مذهب أهل الحق، وخالفت المعتزلةُ فى المسئلتين، وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

تحفة الأحوذي (9/ 365) :

"مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ إِلَى الْحُلْقُومِ يَعْنِي مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِالْمَوْتِ،

فَإِنَّ التَّوْبَةَ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْمَوْتِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]،

قيل: وأما تفسير بن عَبَّاسٍ حُضُورَهُ بِمُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ فَحُكْمٌ أَغْلَبِيٌّ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرَاهُ وَكَثِيرًا يَرَاهُ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ." اهـ

 

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 586) للسفاريني :

"تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ التَّائِبُ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ مَا دَامَ مُكَلَّفًا. كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ، وَقِيلَ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُ الْقَلْبَ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ فَلَا يَبْقَى لَهُ نِيَّةٌ وَلَا قَصْدٌ صَحِيحٌ." اهـ

 

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 44) لعبيد الله الرحمني :

"والحاصل : إن التوبة عند المعاينة لا تنفع، لأنها توبةُ ضرورةٍ، لا اختيارٍ،

قال الله _تعالى_: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} (النساء: 17، 18) الآية،

والتوبة من قريب عند جمهور المفسرين هي التوبة قبل المعاينة أي قبل وقت حضور الموت. قال عكرمة: قبل الموت. وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، فهذا شأن التائب من قريب." اهـ

 

التبصرة لابن الجوزي (1/ 34_35) :

"قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_ : "مِنَ الاغْتِرَارِ أَنْ تُسِيءَ فَيُحْسَنَ إِلَيْكَ فَتَتْرُكَ التوبة توهما أنك تسامح في الهفوات "!.

فوا عجبا لِمَنْ يَأْمَنُ وَكَمْ قَدْ أُخِذَ آمِنٌ مِنْ مَأْمَنٍ. وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الذُّنُوبِ، عَلِمَ أَنَّ لَذَّاتِ الأَوْزَارِ، زَالَتْ. وَالْمَعَاصِيَ بِالْعَاصِي إِلَى النَّارِ آلَتْ،

وَرُبَّ سَخَطٍ قَارَنَ ذَنْبًا فَأَوْجَبَ بُعْدًا وَأَطَالَ عُتْبًا، وَرُبَّمَا بُغِتَ الْعَاصِي بِأَجَلِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ أَمَلِهِ، وَكَمْ خَيْرٍ فَاتَهُ بِآفَاتِهِ، وَكَمْ بَلِيَّةٍ فِي طَيِّ جِنَايَاتِهِ.

قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لا تُؤَخِّرِ التَّوْبَةَ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً...___

طُوبَى لِمَنْ غَسَلَ دَرَنَ الذُّنُوبِ بِتَوْبَةٍ، وَرَجَعَ عَنْ خَطَايَاهُ قَبْلَ فَوْتِ الأَوْبَةِ، وَبَادَرَ الْمُمْكِنَ قَبْلَ أَنْ لا يُمْكِنَ، مَنْ رَأَيْتَ مِنْ آفَاتِ دُنْيَاهُ سَلِمَ، وَمَنْ شَاهَدْتَهُ صَحِيحًا وَمَا سَقِمَ، وَأَيُّ حَيَاةٍ بِالْمَوْتِ لَمْ تَنْخَتِمْ، وَأَيُّ عُمْرٍ بِالسَّاعَاتِ لَمْ يَنْصَرِمْ،

إِنَّ الدُّنْيَا لَغَرُورٌ حَائِلٌ، وَسُرُورٌ إِلَى الشُّرُورِ آيِلٌ، تُرْدِي مُسْتَزِيدَهَا وَتُؤْذِي مُسْتَفِيدَهَا، بَيْنَمَا طَالِبُهَا يَضْحَكُ أَبْكَتْهُ وَيَفْرَحُ بِسَلامَتِهِ أَهْلَكَتْهُ، فَنَدِمَ عَلَى زَلَلِهِ إِذْ قَدِمَ عَلَى عَمَلِهِ، وَبَقِيَ رَهِينَ خَوْفِهِ وَوَجَلِهِ، وَوَدَّ أَنْ لَوْ زِيدَ سَاعَةً فِي أَجَلِهِ،

فَمَا هُوَ إِلا أَسِيرٌ فِي حُفْرَتِهِ، وَخَسِيرٌ فِي سَفْرَتِهِ، وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ صِفَةَ مَنْ عَنَّا نَأَى، فَكَذَا نَكُونُ لَوْ أَنَّ الْعَاقِلَ ارْتَأَى." اهـ

 

مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 44) :

"فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب، ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد،

فإن تاب فقلما يتمكن من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليتصدق عليه قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه : 82).

وجملة القول : إن المراد أن الإصرار والتسويف خطر، وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار، إِذ الغالب : أن المرء يموت على ما عاش، فليحذر المغرورون." اهـ

 

شرح رياض الصالحين (1/ 106) للعثيمين :

"فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقومَ بما فرطت به من الواجبات، وتسألَ اللهَ قبولَ تتوبتِك. والله الموفق."

 

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 76) للبيضاوي :

"توبة المذنب مقبولة ما لم يحضره الموت، فإذا احتضر لم تنفعه، كما قال تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} [النساء: 18]،

وذلك لأن من شرط التوبة : العزمَ على ترك الذنب المتوب عنه، وعدمَ المعاودة عليه، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب منه، وبقاء أوان الاختبار." اهـ

 

المدخل لابن الحاج الفاسي (1/ 302)

فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَمَهْمَا وَقَعَ الْمُؤْمِنُ فِي شَيْءٍ مَا مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَتَبُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْمُبَادَرَةِ إلَى التَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ،

فَإِذَا أَوْقَعَهَا بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا وَجَدَ الْبَابَ، وَالْحَمْدَ لِلَّهِ مَفْتُوحًا لَا يُرَدُّ عَنْهُ وَلَا يُغْلَقُ دُونَهُ بِكَرَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ التَّائِبِ وَقُوَّةِ صِدْقِهِ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ." اهـ

 

التوضيح لشرح الجامع الصحيح (22/ 348) لابن الملقن :

"ذكر العلماء أنه إنما لم ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشمس؛ لأنه خلص إلى قلوبهم ما يخمُد به كلُ شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن،

ويصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت لانقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم،

فمن تاب في مثل هذِه الحالة، لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت." اهـ

 

المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 187) للزيداني :

قبضُ الروحِ يبتدأ من أصابع رجليه وينزع إلى حلقه حتى يخرج من رأسه، وإنما يبتدئ قبض الروح من الرجل ليكون نزع الروح من قلبه ولسانه آخِرًا ليكون لسانُه ذاكرًا، وليتوب ولِيوصِ ويستحل من الناس عن المظالم والغيبة ليكون آخِرَ عُمُرِه بالخير، فإن الرجل إذا عرف أَمَارت الموتِ لا شك أنه يَفْزَعُ إلى التوبة والاستحلال والوصية وذكرِ الله _تعالى_." اهـ[3]

 

شرح رياض الصالحين (1/ 106) للعثيمين :

"فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.

 

موارد الظمآن لدروس الزمان (1/ 45) لعبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422هـ) :

"واعلمْ أَنَّ التوبة إذا صحتْ بأَن اجْتمعتْ شروطُها وانْتفَتْ مَوانِعُها قُبِلتْ بلا شكٍ، إذا وَقَعتْ قبلَ نزولِ الموتِ، لو كانتْ عن أيّ ذنْبٍ كانَ، وقبلَ طُلوع الشمسِ مِنْ مغْرِبِها، كما قال تعالى : {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]....

فهذه الحالُة حَالَةُ حُضور الموتِ وبعدَ حُضوِر الموتِ لا يُقْبَلُ من العاصِين تَوبةٌ ولا مِنَ الكَافرينَ رُجوعٌ كما قال تعالى عن فِرعون: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: 90].

ومِنَ المُعَوّقاتِ الضَّارَّةِ : التَّسْويفُ بالتَّوْبَةِ، فَمِنْ أَيْنَ يَعْلمُ الإِنسانُ أنَه يَبْقَى إلى أنْ يَتوبَ؟! فَتارِكُ المُبَادَرَةِ بالتوِبة بَيْن خَطَرَيْن عَظِيمَين :

أحَدُهُما : أَنْ تَتَرَاكَمَ الظُلْمَةُ على قَلْبِهِ مِنَ المَعَاصِي حتى تَصِير رَيْنًا وَطَبْعًا،

وثانِيهمَا : أنْ يُعَاجِلَهُ المَرَضُ فلا يَجِدَ مُهْلةً لِلاشْتِغالِ بِمَحْوِ مَا وَقعَ مِنَ الظلمةِ في القَلْبِ فَيَأتي رَبَّه بقلبٍ غيرِ سَليمٍ ولا يَنْجُو إلا مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ.

ويَجبُ على الإِنسانِ أنْ لا يَمْتَنِعَ مِنَ التوبةِ خَشْية الوُقُوعِ في ذَنْبٍ مَرّةً أُخْرَى، فإِنّ هذا ظنٌ يُدْخِلُهُ الشَّيْطَانُ في قلْبِهِ ليُؤخِّرَ التوبةَ، وَلَرُبَّمَا يَقُولُ في نَفْسِهِ : "سَأسْتَمِرُّ في المعاصِي أياَّمَ شَبَابي وصِحَّتي ثُمَّ أتوبُ بعدَ ذلك"،

وهكذا يُسَوِّفُ ويُؤخِّرُ، وإذا بالموتِ أو المرضِ يُفاجئُهُ فلا يَجدُ مُتَّسعًا للتوبةِ." اهـ

 

صحيح ابن حبان (2/ 394) للبُسْتِيِّ :

"ذِكْرُ تَفَضُّلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى التَّائِبِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، كُلَّمَا أَنَابَ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ حَالَةَ الْمَنِيَّةِ بِهِ." اهـ

 

 



[1] وفي مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 43_43) لعبيد الله الرحمني :

"وقال التُّوْرِبِشْتِيُّ : "الغرغرة تردد الماء وغيره في الحلق، والغرغرة: صوت معه بحح، ويقال: (الراعي يغرر بصوته) أي: يردده في حلقه ويتغرغر صورته في حلقه، أي: يتردد. ومعناه في الحديث: تردد النفس في الحلق عند نزع الروح، وذلك في أول___ما يأخذ في سياق الموت. ويكون معنى قوله: «ما لم يغرغر» ما لم يحضره الموت. فإنه إذا حضره الموت، يغرغر بتردد النفس في الحلق. فإذا تحقق بالموت، وانقطاع المدة، أي: مدةِ الحياةِ، فتوبته غير معتد بها." اهـ

وفي تطريز رياض الصالحين (ص: 22) : "الغرغرة : وصول الروحِ الحلقومَ. قال الله تعالى : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء (18) ] ، وقال تعالى : {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر (84، 85) ] ." اهـ

[2] وفي اللباب في تهذيب الأنساب (1/ 213) لابن الأثير :

"التِّرْمِذِيّ : هَذِه النِّسْبَة إِلَى مَدِينَة قديمَة على طرف نهر بَلخ الَّذِي يُقَال لَهُ جيحون خرج مِنْهَا جمَاعَة كَثِيرَة من الْعلمَاء

وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِي كَيْفيَّة هَذِه النِّسْبَة :

* بَعضهم : يَقُول بِفَتْح التَّاء ثَالِث الْحُرُوف،

* وَبَعْضهمْ يَقُول بضَمهَا،

وَبَعْضهمْ يَقُول بِكَسْرِهَا،

والمتداول على لِسَان أهل تِلْكَ الْمَدِينَة بِفَتْح التَّاء وَكسر الْمِيم، وَالَّذِي كُنَّا نعرفه فِيهِ قَدِيما كسر التَّاء وَالْمِيم جَمِيعًا

وَالَّذِي يَقُوله المتنوقون وَأهل الْمعرفَة بِضَم التَّاء وَالْمِيم وكل وَاحِد يَقُول معنى لما يَدعِيهِ وَالْمَشْهُور من أهل هَذِه الْبَلدة أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى بن سُورَة التِّرْمِذِيّ الضَّرِير أحد الْأَئِمَّة الَّذين يقْتَدى بهم فِي علم الحَدِيث صنف الْجَامِع والعلل تصنيف رجل متقن وَبِه كَانَ يضْرب الْمثل تلمذ لمُحَمد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وشاركه فِي شُيُوخه." اهـ

[3] وفي شرح المصابيح لابن الملك (3/ 146) : "جُعل ابتداءُ قَبْضِ الروحِ من الرِّجل؛ ليبقى القلب واللسان ذاكرًا، وليتوب إلى الله مَتابًا، ويستحلَّ من الناس عن المظالم والغِيبة، وليوصيَ بالخير آخرَ عَهْده." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة