الحديث السابع والخمسون: أجر المجتهد (من بهجة قلوب الأبرار)
الحديث السابع والخمسون:
أجر المجتهد.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ[1]،
فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ فأخطأ[2]،
فله أجر واحد" متفق عليه
تخريج الحديث :
صحيح البخاري (9/ 108) (رقم
:7352)، صحيح مسلم (3/ 1342) (رقم : 1716)، سنن أبي داود (3/ 299) (رقم : 3574)، السنن
الكبرى للنسائي (5/ 396) (رقم : 5887)، سنن ابن ماجه (2/ 776) (رقم : 2314) عن عبد
الله بن عمرو _رضي الله عنهما_[3]
وأما حديث أبي هريرة، فقد
أخرجه :
سنن الترمذي ت شاكر (3/
607) (رقم : 1326)، سنن النسائي (8/ 223) (رقم : 5381)، السنن الكبرى للنسائي (5/
396) (رقم : 5889)، صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7/ 342)
(رقم : 5038)
شرح الحديث :
صحيح البخاري (3/ 131) (رقم
: 2458) : عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ
أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ،
فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ،
فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا» خ م
سنن أبي داود (3/ 299) (رقم
: 3573) عن بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ :
وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ،
فَأَمَّا الَّذِي فِي
الْجَنَّةِ : فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ،
وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ
فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ،
وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ
عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» د ت ق
البحر المحيط الثجاج في شرح
صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (30/ 119)
في بيان شروط المجتهد:
قال العلّامة ابن قُدامة -
رَحِمَهُ اللهُ -: يُشترط في القاضي ثلاثة شروط:
[أحدها]: الكمال، وهو نوعان : كمال الإحكام، وكمال الْخِلْقة:
أما كمال الإحكام : فيُعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا ذكرًا،
وأما كمال الخلقة : فأن يكون متكلمًا، سميعًا، بصيرًا؛ لأنَّ الأخرس لا يمكنه النطق
بالحكم، ولا يفهم جميعُ الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا
يعرف المدعي من المدعى عليه، والمُقَرّ له من المُقِرّ، والشاهد من المشهود له.
وقال بعض أصحاب الشافعي:
يجوز أن يكون أعمي، لأنَّ شعيبًا - عَلَيْهِ السَّلَام - كان أعمي، ولهم في الأخرس
الذي تفهم إشارته وجهان.
ولنا أن هذه الحواس تؤثّر
في الشهادة، فيَمنع فَقْدها ولاية القضاء كالسمع، وهذا لأنَّ منصب الشهادة دون
منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة، يُحتاج إليها فيها، وربما أحاط بحقيقة
علمها، والقاضي ولايته عامة، وَيحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لَمْ يُقبل منه
الشهادة، فالقضاء أَولى، وما ذكروه عن شعيب - عَلَيْهِ السَّلَام - فلا نسلِّم فيه
فإنه لَمْ يثبت أنه كان أعمى، ولو ثبت فيه ذلك، فلا يلزم ههنا، فإن شعيبًا -
عَلَيْهِ السَّلَام - كان مَنْ آمن معه من الناس قليلًا، وربما لا يحتاجون إلى
حَكَم بينهم؛ لقلّتهم، وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا.
[الشرط الثاني]: العدالة، فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، وحُكي
عن الأصم أنه قال : يجوز أن يكون القاضي فاسقًا؛ لِمَا رُوي عن النبيّ - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "سيكون بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن
أوقاتها، فصَلّوها لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سُبْحَة".
ولنا قول الله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}
الآية [الحجرات: 6]، فأمر بالتبيّن عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن
لا يُقبل قوله، ويجب التبيّن عند حُكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون____شاهدًا،
فلئلا يكون قاضيًا أَولى، فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء، لا بمشروعيته،
والنزاع في صحة توليته، لا في وجودها.
[الشرط الثالث]: أن يكون من أهل الاجتهاد..." اهـ
|
بهجة قلوب الأبرار وقرة
عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 121) المراد بالحاكم: هو الذي
عنده من العلم ما يؤهله للقضاء. وقد ذكر أهل العلم شروط القاضي. فبعضهم بالغ
فيها، وبعضهم اقتصر على العلم الذي يصلح به للفتوى. وهو الأولى. ففي هذا الحديث: أن
الجاهل لو حكم وأصاب الحكم، فإنه ظالم آثم، لأنه لا يحل له الإقدام على الحكم
وهو جاهل. ودل على: أنه لا بد
للحاكم من الاجتهاد. وهو نوعان : ___ اجتهاد في إدخال القضية
التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية. واجتهاد في تنفيذ ذلك
الحق على القريب والصديق وضدهما، بحيث يكون الناس عنده في هذا الباب واحدا، لا
يفضل أحدا على أحد، ولا يميله الهوى، فمتى كان كذلك فهو مأجور
على كل حال: إن أصاب فله أجران. وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه معفو عنه، لأنه
بغير استطاعته. والعدل كغيره معلق بالاستطاعة. والفرق بين الحاكم
المجتهد، وبين صاحب الهوى: أن صاحب الحق قد فعل ما أمر به من حسن القصد
والاجتهاد، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده عليه دليله، بخلاف صاحب
الهوى، فإنه يتكلم بغير علم، وبغير قصد للحق. قاله شيخ الإسلام. وفي هذا : فضيلة الحاكم
الذي على هذا الوصف، وأنه يغنم الأجر والثواب في كل قضية يحكم بها. ولهذا: كان القضاء من
أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة للقاضي عند التنازع أو
الاشتباه. وعليه: أن يجاهد نفسه على
تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته، وينال به الخير، والأجر العظيم. . والله
أعلم. |
من فوائد الحديث :
شرح رياض الصالحين (1/ 411)
واعلم أن كل خلاف يقع بين
الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري، لا يلام عليه ولا
يضلل، لأنه مجتهد، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد
فاخطا، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله اجر)) . وليس من حق
الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضي الدليل عنده. أما من عاند واصر
بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام.
شرح رياض الصالحين (6/ 677)
والظاهر أن المفتى مثله
يعني أن الإنسان إذا اجتهد في طلب الحق وتبين له شيء من الحق ثم أفتى به أو حكم به
فهو على خير إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ولا يضيع الله تبارك وتعالى
أجر من أحسن عملا،
فدل ذلك على أن الإنسان إذا
اجتهد وتحرى الحق وبذل وسعه في ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يثيبه على هذا،
إن أصاب، فله أجران : الأجر
الأول على إصابة الحق، والثاني على اجتهاده،
وإن أخطأ، فله أجر واحد،
وهو الاجتهاد وبذل الوسع والطاقة في طلب الحق[4]
عمدة القاري شرح صحيح
البخاري (25/ 66)
وتفاوت الْأجر مَعَ
التَّسَاوِي فِي الْعَمَل لكَون الْمُصِيب فَازَ بِالصَّوَابِ وفاز بتضاعف الْأجر،
وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَلَعَلَّه للمصيب زِيَادَة فِي الْعَمَل
إِمَّا كمية وَإِمَّا كَيْفيَّة. قيل: لم يكون الْأجر للمخطىء. وَأجِيب: لأجل
اجْتِهَاده فِي طلب الصَّوَاب لَا على خطئه. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَإِنَّمَا
يُؤجر الْحَاكِم إِذا أَخطَأ إِذا كَانَ عَالما بِالِاجْتِهَادِ فاجتهد، فَأَما
إِذا لم يكن عَالما فَلَا.
إكمال المعلم بفوائد مسلم
(5/ 572)
قال أهل العلم: وهو ما لا
خلاف [فيه ولا شك] (1)، أن هذا إنما هو فى الحاكم العالم الذى يصح منه الاجتهاد،
وأما الجاهل فهو مأثوم فى اجتهاده بكل حال، عاص بتقلده ما لا يحل له من ذلك؛ ولأنه
متكلف فى دين الله متحرض على شرعته متحكم فى حكمه، فهو مخطئ كيفما تصرف، ومأثوم فى
كل ما تكلف، وإصابته ليس بإصابة إنما هو اتفاق وتخرص، وخطؤه غير موضوع لأنه يجهله
كالعامد، والجاهل والعامد هما سواء. قد جاء فى الحديث الآخر:
«القضاة ثلاثة : اثنان فى
النار، وواحد فى الجنة. فقاضٍ قضى بغير الحق، وهو يعلم بذلك، ففى النار، وقاضٍ قضى وهو لا يعلم، فأهلك____حقوق
الناس فذلك فى النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك فى الجنة»[5]
وفى الرواية الأخرى :
" وقاض علم قوله هذا، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ".[6]
اهـ
شرح النووي على مسلم (11/
91)
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى
أَنَّهُ وَكَّلَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ إِلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَ
لَهُمُ الْأَجْرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ
البحر المحيط الثجاج في شرح
صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (30/ 118)
في فوائده:
1 - (منها): بيان أن
الحاكم إذا اجتهد يستحقّ أجرين، أجرًا على اجتهاده، وأجرًا على إصابته الحقّ، وإذا
اجتهد، فأخطأ فله أجر على اجتهاده.
2 - (ومنها): ما قاله
النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - :
قال العلماء: أجمع المسلمون
على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجر باجتهاده، وأجر
بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف، تقديره: إذا أراد الحاكم
فاجتهد، قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم، فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل
هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأنَّ إصابته اتفاقيّة، ليست صادرة
عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها،
ولا يُعذَر في____شيء من ذلك، وقد جاء في الحديث في "السنن":
"القضاة ثلاثة: قاض في الجَنَّة، واثنان في النار: قاض عرف الحق، فقضى به،
فهو في الجَنَّة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه، فهو في النار، وقاض قضى على جهل، فهو
في النار". [د ت ق]
3 - (ومنها): ما قال ابن
العربيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها، فلم
يُسْقَوا، وهي: أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد، والأجر على العمل
المتعدي يضاعَف، فإنه يؤجر في نفسه، وينجرّ له كلّ ما يتعلق بغيره من جنسه، فإذا
قضى بالحق، وأعطاه لمستحقه، ثبت له أجر اجتهاده، وجرى له مثل أجر مستحق الحق، فلو
كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر، فقضى له والحق في نفس الأمر لغيره، كان له
أجر الاجتهاد فقط. انتهى.
قال الحافظ - مؤيِّدًا
لكلام ابن العربيّ المذكور -: وتمامه: أن يقال: ولا يؤاخذ بإعطاء الحقّ لغير
مستحقه؛ لأنه لَمْ يتعمد ذلك، بل وِزر المحكوم له قاصر عليه، ولا يخفى أن محل ذلك
أن يبذل وُسعه في الاجتهاد، وهو من أهله، وإلا فقد يَلْحَق به الوزر إن أخلّ بذلك،
والله أعلم. انتهى، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
البحر المحيط الثجاج في شرح
صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (30/ 126)
قال الجامع عفا الله تعالى
عنه: الأرجح ما ذهب إليه الأكثرون، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن المصيب
واحد، وأن الآخر المخطئ معذور مأجور بأجر واحد؛ لاجتهاده، وقد حققت المسألة،
وفصّلتها في "التحفة المرضيّة"، وشَرْحها، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
معالم السنن (4/ 160)
قوله إذا حكم فاجتهد فأخطأ
فله أجر إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر
على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط. وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة
الاجتهاد عارفاً بالأصول وبوجوه القياس. فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهومتكلف
ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار،
أما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم ورجل قضى
للناس على جهل فهو في النار.
معالم السنن (4/ 160)
وفيه من العلم ليس كل مجتهد
مصيباً، ولو كان كل مجتهد مصيباً لم يكن لهذا التفسير معنى، وإنما يعطى هذا أن كل
مجتهد معذور لا غير، وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول
التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها
للتأويل. فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردوداً.
عون المعبود وحاشية ابن
القيم (9/ 354)
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ
شَرْحِ السُّنَّةِ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتَقَلَّدَ
الْقَضَاءَ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَتُهُ
قَالَ وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ
جَمَعَ خَمْسَةَ عُلُومٍ عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ وَعِلْمُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَاوِيلُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ مِنْ
إِجْمَاعِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ وَعِلْمُ اللُّغَةِ وَعِلْمُ الْقِيَاسِ وَهُوَ
طَرِيقُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ
صَرِيحًا فِي نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ
مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَالْمُجْمَلَ وَالْمُفَسَّرَ
وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ وَالْكَرَاهَةَ
وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَالنَّدْبَ وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ هَذِهِ
الْأَشْيَاءَ وَيَعْرِفُ مِنْهَا الصَّحِيحَ وَالضَّعِيفَ وَالْمُسْنَدَ
وَالْمُرْسَلَ وَيَعْرِفُ تَرْتِيبَ السُّنَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَبِالْعَكْسِ
حَتَّى إِذَا وَجَدَ حَدِيثًا لَا يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ الْكِتَابَ اهْتَدَى إِلَى
وَجْهِ مَحْمَلِهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ فَلَا يُخَالِفُهُ
وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنْهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ
مَا عَدَاهَا مِنَ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ وَكَذَا يَجِبُ أَنْ
يَعْرِفَ مِنْ عِلْمِ اللُّغَةِ مَا أَتَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ
أُمُورِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَيَعْرِفُ
أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَمُعْظَمَ فَتَاوَى
فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ حَتَّى لَا يَقَعَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ
فَيَأْمَنُ فِيهِ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا عَرَفَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ
هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا فَسَبِيلُهُ
التَّقْلِيدُ انْتَهَى
قُلْتُ فِي قَوْلِهِ
فَسَبِيلُهُ التَّقْلِيدُ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ
قطر الولي على حديث الولي =
ولاية الله والطريق إليها (ص: 264)
فَكل حَاكم من حكام
الْمُسلمين [يتَرَدَّد] حكمه بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ، وَلكنه مأجور على كل
حَال، لِأَن ذَلِك فَرْضه الْوَاجِب عَلَيْهِ، وَلَا يحل للمحكوم لَهُ أَيْن
يسْتَحل مَال خَصمه بِمُجَرَّد الحكم، كَمَا قضى بِهِ رَسُول الله [صلى الله
عَلَيْهِ وَسلم] فِي أَحْكَامه الشَّرِيفَة فَكيف بِأَحْكَام غَيره من حكام أمته؟
[1] وفي فتح الباري لابن حجر
(13/ 319) : "وَقَوله (فَأصَاب)، أَي : صَادف مَا فِي نفس الْأَمر من حكم
الله تَعَالَى." اهـ
[2] وفي فتح الباري لابن حجر
(13/ 319) :
"قَوْله
ثمَّ أَخطَأ أَي ظن أَن الْحق فِي جِهَة فصادف ان الَّذِي فِي نفس الْأَمر
بِخِلَاف ذَلِك فَالْأول لَهُ أَجْرَانِ أجر الِاجْتِهَاد واجر الْإِصَابَة
وَالْآخر لَهُ أجر الِاجْتِهَاد فَقَط،
وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى وُقُوع الخطا فِي
الِاجْتِهَاد فِي حَدِيث أم سَلمَة :
«إنكم تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ
أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحجته من بعض»،
وَأخرج لحَدِيث الْبَاب سَببا من وَجه آخر عَن
عَمْرو بن الْعَاصِ من طَرِيق وَلَده عبد الله بن عَمْرو عَنهُ قَالَ :
«جَاءَ رجلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يختصمان، فَقَالَ لعَمْرو : "اقْضِ بَينهمَا يَا
عَمْرو."
قَالَ : "أَنْت أولى بذلك مني، يَا رَسُول
الله." قَالَ : "وإن كَانَ." قَالَ : "فَإِذا قضيت بَينهمَا،
فَمَالِي؟"
فَذكر نَحوه، لَكِن قَالَ فِي الْإِصَابَة : «فلك
عشر حَسَنَات»
وَأخرج من حَدِيث عقبَة بن عَامر نَحوه بِغَيْر
قصَّة بِلَفْظ : «فلك عشرَة أجور» وَفِي سَنَد كل مِنْهُمَا ضعف وَلم أَقف على
اسْم من أبهم فِي هذَيْن الْحَدِيثين." اهـ
[3] وللفائدة، فانظر : إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/ 223) (رقم : 2598) للألباني _رحمه الله_.
[4] ولابن الجوزي رأي آخر،
فقال في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (4/ 110) :
"فَإِن
قيل: فقد تساوى الِاجْتِهَاد فِي مَوضِع الْإِصَابَة وَمَوْضِع الْخَطَأ، فَلم
ضوعف الْأجر هُنَاكَ؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمُخطئ وَإِن
كَانَ مُجْتَهدا فَفِي اجْتِهَاده تَقْصِير، فَلَو أمعن فِي طلب الْأَدِلَّة لوقع
بِالصَّوَابِ، فقصر فِي أجره لتَقْصِيره فِي الطّلب. وَالثَّانِي: أَن الْمُصِيب
موفق، والموفق مصطفى، فضوعف لَهُ الْأجر لمَكَان اصطفائه، كَمَا ضوعف الْأجر
لهَذِهِ الْأمة دون سَائِر الْأُمَم." اهـ
[5] أخرجه :
أبو داود في سننه (3/ 299) (رقم : 3573)، والترمذي في سننه (3/ 605) (رقم : 1322)، والنسائي في السنن
الكبرى (5/ 397) (رقم : 5891)، وابن ماجه في سننه (2/ 776) (رقم : 2315)، وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 515) (رقم : 2172)
[6] ما
وقفنا عليها، والله أعلم.
Komentar
Posting Komentar